يقول بعض الأشخاص إنني سابق لسنّي. يقولونها تحديداً لأنهم يظنونني صغيراً على معرفة الكلمات الصعبة. بعض الكلمات الصعبة التي أعرفها هي: قذر، مشؤوم، مُنمق، مثير للشفقة ومُتَفَجِّر. في الواقع، من يقولون هذا ليسوا كثيرين. المشكلة أنني لا أعرف عدداً كبيراً من الناس. كل من أعرفهم هم ثلاثة عشر أو أربعة عشر شخصاً. أربعة منهم فقط يقولون إنني سابق لسني. يقولون لي أيضاً إنني أبدو كبيراً؛ أو يعكسون الأمر بقول إنني صغير على مثل هذه الأشياء؛ أو أنهم أحياناً على النقيض من ذلك النقيض يعتبرونني قزماً. بالنسبة إليّ، لا أظن أنني سابق لسني. ما يحدث أن لدي خدعة صغيرة، كالسحرة الذين يخرجون الأرانب من قبعاتهم. الفارق الوحيد أنني أخرج الكلمات من القاموس؛ ففي كل ليلة أقرَؤُه قبل أن أنام، ثم تتكفل ذاكرتي بباقي المسألة. إنها بالمناسبة ذاكرة جيدة للغاية، شبه متفجرة. أما يولكاوت، فلا يظن أنني سابق لسني، وإنما يعتبرني عبقرياً. يقول لي مداعباً رأسي بأصابعه المرصّعة بخواتم من الذهب والألماس:

-توتشتلي، أنت عبقري أيها الخنزير الصّغير.
على أي حال، من يقولون إنني فضولي، عددهم أكثر. إنهم سبعة. وهذا ليس لشيء سوى أنني أحبّ القبعات جدّاً وأستخدمها كثيراً. استخدام القبّعات من عادات الأشخاص المُنمّقين، ففي السّماء حمام يقضي حاجته دوماً. إن لم تستخدم قبعة، سينتهي بك المطاف برأس متّسخ. الحمام قليل الحياء، إذ يَذْرَقُ على مرأى من الجميع وهو يطير. ربّما كان من الأفضل أن يفعلها في الخفاء بين فروع الأشجار. حينئذ، لم نكن سنضطر إلى النّظر طيلة الوقت نحو السّماء وكلنا قلق على رؤوسنا. لكن القبعات أيضاً -هذا إن كانت جيّدة- لها دور في مسألة التميُّز. أقصد، بمعنى آخر، إنها مثل تيجان الملوك. إن لم تكن ملكاً وإن لم تستخدم قبّعة، سينتهي بك الأمر لتصبح شخصاً بلا قيمة.
لا أظن أن استخدامي للقبعات يجعلني فضولياً، خاصة أن كل ما هو فضولي قريب لكل ما هو قبيح؛ أو أن هذا هو ما تقوله ثينتيوتل. ما أنا متأكد منه هو أنني رجل بالفعل. على سبيل المثال: لا أقضي يومي كله أبكي لأنني بلا أم. إن كنت بلا أم يُفترض أن تبكي كثيراً، أتحدث عن لترات من الدموع، ربما عشرة أو اثني عشر لتراً كل يوم؛ لكن، أنا لا أبكي. ربما لأن الشواذ هم فقط من يبكون.
حينما أكون حزيناً، يقول لي يولكاوت ألا أبكي. يقول تحديداً:
-تحمل يا توتشتلي، تحمل كالرجال.
يولكاوت هو بابا، لكنه لا يحب أن أقول له بابا. يقول فقط إننا أفضل عصابة من الرجال في محيط قدره ثمانية كيلومترات على الأقل. يولكاوت من الأشخاص الواقعيين، لهذا لا يقول إننا أفضل عصابة في الكون، أو أفضل عصابة في محيط ثمانية آلاف كيلومتر. الواقعيّون هم أشخاص يؤمنون بأن العالم ليس بالصورة التي تظن أنه عليها. هذا ما أخبرني به يولكاوت. هذا هو حال الواقع ونقطة، لأنه لا توجد حلول أخرى.
«عليك أن تتحلى بالواقعية» هي العبارة المفضلة للواقعيين.
في الواقع، أظن أننا عصابة جيدة للغاية. لديّ أدلة: العصابات قريبة من مفهوم التضامن، والتضامن عبارة عن أمر مثل أن يشتري لي يولكاوت قبّعات لأنني أحبها؛ أتحدث عن قبعات كثيرة إلى درجة أن لديّ مجموعة من كل أنحاء العالم ومن مختلف عصوره؛ رغم أن ما أوده الآن أكثر من القبّعات الجديدة هو فرس نهر ليبيري قزم. لقد دونته بالفعل في قائمة الأشياء التي أرغب فيها وقدمتها لميثتلي. هكذا تجري الأمور دائماً. يشتري لي ميثتلي كل الأشياء التي أودّها بأمر من يولكاوت، لأنني لا أخرج كثيراً للشارع. لدى ميثتلي ذاكرة سيئة، لهذا عليّ أن أعدّ له قائمات بطلباتي.. لكن فرس النهر الليبيري القزم لا يُباع هكذا، بكل سهولة، في متاجر الحيوانات الأليفة، فتلك الأخيرة تبيع الكلاب على أقصى تقدير، لكن من يود كلباً؟ لا أحد يرغب في كلب. العثور على فرس نهر قزم ليبيري أمر شديد الصعوبة، لأن الطريقة الوحيدة لتحقيق المسألة ربما هي الذهاب لأسره من ليبيريا، لهذا يؤلمني بطني كثيراً.. في الواقع، يؤلمني بطني دائماً، لكنّي بتّ أعاني منه الآن بصورة أكثر تتابعاً.
أعتقد أن هذه اللحظة في حياتي هي لحظة قذرة؛ أو ربما مثيرة للشّفقة.
يروقني ماثاتثين دائماً؛ بصورة شبه كاملة. أَمَلُّ منه فقط حين يتعنّت ويرغب في اتباع خطّة الدراسة بالضبط.. بالمناسبة، ماثاتثين لا يدعوني توتشتلي، وإنما أوساغي، وهو اسمي باليابانية، وهذا لأنه يحب كثيراً كل الأمور المتعلقة بإمبراطورية اليابان.
بالنسبة إليّ، أفلام السّاموراي هي ما أحبه كثيراً من الأمور المتعلقة بإمبراطورية اليابان. لقد شاهدت بعضها مرات كثيرة إلى درجة أنني بتّ أحفظها من الذاكرة. حينما أشاهدها، أستبقها، وإذا بي أتلو محادثات محاربي السّاموراي قبل أن ينطقوها دون أن أخطئ أبداً. يُمكنني فعل هذا باستخدام ذاكرتي، فهي حقاً شبه مُتفجّرة. هناك فيلم اسمه «شفق السّاموراي». تدور قصته حول محارب عجوز يعلّم طفلاً أموراً تتعلق بالسّاموراي وفي جزء منه يُجبره على البقاء ساكناً، صامتاً لأيام كثيرة. يقول له «أن تكون حارساً، يعني أن تعمل في السر وتعرف معنى الانتظار. الصبر هو أفضل أسلحتك، كطائر الغرنوق الذي لا يعرف اليأس. الضّعفاء يُعرفون في حراكهم والأقوياء في سكونهم. انظر إلى السّيف المتفجّر الذي لا يعرف الرّعشة، انظر إلى الرّياح، انظر إلى رموشك، اغلق عينيك وانظر إلى رموشك». هذا ليس الفيلم الوحيد الذي أعرفه من الذاكرة، وإنما أكثر من ذلك بكثير: أربعة أفلام.
ذات يوم، بدلاً عن تدريس الفصول لي، حكى لي ماثاتثين قصته وهي قصة قذرة ومثيرة للشّفقة. ما يحدث أنه كان لديه قبل ذلك أعمال جيدة للغاية في إعلانات التلفزيون ويقبض ملايين البيزوهات ليخترع إعلانات تجارية للشامبوهات والمشروبات المرطبة، لكنه كان حزيناً طيلة الوقت، لأنه في الواقع درس ليصبح كاتباً. هنا تبدأ القذارة: أن يكسب أحدهم ملايين البيزوهات ويشعر بالحزن لأنه ليس كاتباً. إنه أمر قذر.
المهمّ أن درجة هذا الحزن الصافي دفعت ماثاتثين إلى العيش بعيداً، في كوخ وسط العدم، أظن أنه كان أعلى تل. كان يرغب في أن يتفرغ للتفكير وتأليف كتاب عن حياته، إلى درجة أنه قد أخذ معه حاسوباً. هذه الفعلة ليست قذرة، وإنما مثيرة للشّفقة. المشكلة أن الوحي لم ينزل على ماثاتثين وفي تلك الأثناء احتال عليه شريكه -الذي كان أفضل أصدقائه- واستحوذ على كل ملايينه. لم يكن أفضل صديق بالمرة؛ بل كان خائناً.
حينها جاء ماثاتثين ليعمل معنا، لأنه من فئة المثقفين. يقول يولكاوت إن المثقفين أشخاص يؤمنون بأنفسهم كثيراً لأنهم يعرفون أموراً جمّة. يعرفون أموراً عن العلوم الطبيعية، مثل طيور الحمام التي تنقل أمراضاً مثيرة للاشمئزاز؛ وكذلك عن التاريخ؛ مثل أن الفرنسيين يحبون كثيراً قطع رؤوس الملوك، ولهذا السبب يحب المثقفون أن يكونوا أساتذة. لكنّهم يعرفون أموراً خاطئة أحياناً؛ كمسألة أنك كي تؤلف كتاباً، فعليك أن تذهب للعيش في كوخ وسط العدم وأعلى تلّ. هذا هو ما يقوله يولكاوت: يعرف المثقفون أموراً كثيرة عن الكتب، لكن معرفتهم عن الحياة هي والعدم سواء. نحن أيضاً نعيش وسط العدم، لكننا لا نفعلها لينزل الوحي علينا؛ وإنما بغرض الحماية.

* خوان بابلو بيالوبوس، من مواليد مدينة غوادالاخارا المكسيكية عام 1973. درس علوم التسويق وبآداب الدول الناطقة بالإسبانية وله منشورات عديدة في أدب الرحلات والنقد والسينما وكان في صدد إنجاز دكتوراه في نظرية الأدب والأدب المقارن. تعدُّ رواية «حفلة في الوكر» أنجح أعماله، لكن نُشرت له أعمال أخرى تُرجم بعضها إلى لغات عدة نذكر منها: «لن أطلب من أحد أن يصدّقني» و«سأبيع لك كلباً» و«رحلة كونيّة إلى ميناء الخيال الروائي» و«غزو قرية الروح». الجزء المنشور هنا هو مقتطف من روايته «حفلة في الوكر» التي صدرت ترجمتها حديثاً عن «دار صفحة 7»
(ترجمة محمد الفولي ـ مصر)

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا