يحضر اسم ابن رشد (1126-1198) مقروناً باسم أبي حامد الغزالي على الدوام، ولكن من موقع الضد. يكتب الأخير «تهافت الفلسفة»، فيرد الأول عليه بـ «تهافت التهافت». السجال لم يتوقّف منذ القرن الثاني عشر إلى اليوم بين أحفاد الفيلسوفين حول الصراع بين العقل والدين. يرفض الغزالي قطعياً أي مسعى لتأويل القرآن، فيما يرى ابن رشد أن هذا البرهان يعوزه المنطق. سينبهه ابن طفيل في لقائهما الأول في قرطبة «خذ حذرك يا ابن رشد، إنك تميل أحياناً إلى بسط براهين قد أصفها بالمثيرة للشبهة. الفلسفة تؤدي إلى الإلحاد». وقبل أن يودّعه، سيضيف محذّراً: «لا يجب أن يكون الجسر أوسع من النهر. لو أردت أن يظل رأسك مقيماً على عنقك، تعلّم ضبط نفسك».

لطالما كانت شخصية ابن رشد رافداً تخييلياً لأعمال أدبية ونقدية متعدّدة، نظراً إلى إشكاليتها في تاريخ الفلسفة الإسلامية. اتّكأ بورخيس على هذه الشخصية في قصته «بحث ابن رشد»، وجيمس جويس في «يوليسيس»، وسلمان رشدي في «سنتان وثمانية شهور وثمان وعشرون ليلة»، وعبد الفتاح كيليطو في كتابه «من شرفة ابن رشد». وها هو جلبير سينويه يستضيفه في «ابن رشد أو كاتب الشيطان» (1989 ــ صدرت أخيراً بالعربية عن «منشورات الجمل» ـــ ترجمة شكير نصر الدين) استمراراً لاشتغاله على شخصيات تاريخية وجدلية مثل ابن سينا، ويسوع، ومحمد علي باشا، وجمال عبد الناصر مازجاً الوثيقة التاريخية بالسرديات المتخيّلة.


في هذه الرواية، تتداخل الأزمنة والضمائر فوق قماشة تتسع لزمن ابن رشد في حياته وما بعد موته، مغلقاً القوس على حقبة تنوس بين أنوار العقلانية وظلامية العصور الوسطى، وكيف خلخل سكونية التفكير الأوروبي بشروحاته لفلسفة أرسطو وأفلاطون. تتنازع فضاءات السرد وجوه ابن رشد المتعددة في مرآته الذاتية أولاً، وفي مرآة الآخرين: «أنا من أهل النظر، وليس من أهل التجديف. رجل علم، ولست بائع أوهام. أنا مؤمن ولست بكافر»، فيما سيصفه أحد الفقهاء المتشدّدين بأنه «كاتب الشيطان»، في محاكمة كادت أن تودي به إلى الهلاك، إثر اتهامه بكتابة مخطوط فيه تجديف، لكن قاضي قرطبة سيعلن براءته من التهمة.
ابن رشد، أم «أفيروس» وفقاً لاسمه اللاتيني؟ سنجد الصورتين معاً، ولكن من موقعين متضادين. ذلك أن الأول عاش مكابدات صعبة في محاولاته إعلاء شأن العقل وحده في مواجهة فقهاء الغيبيات، ما جعله يدفع ضريبة باهظة بنفيه إلى قرية جنوب قرطبة، وحرق كتبه بأمر من الخليفة المنصور، فيما سيتحوّل «أفيروس» إلى أيقونة أوروبية بوصفه جسراً بين ثقافتين. هكذا فقد إسلام الأنوار مفكراً عظيماً، وأهداه مجاناً إلى الغرب. فالفيلسوف الذي دُفن في مراكش، لم يسترح طويلاً في تراب أجداده. بعد ثلاثة أشهر على دفنه، أُخرج جثمانه من القبر، وحُملَ إلى قرطبة ودُفن هناك مرةً ثانية، وقد حضر جنازته ثلاثة أشخاص «فقيه، وناسخ، وابن عربي». يستدعي الروائي الفرنسي المولود في الإسكندرية، جلبير سينويه، شخصيات تركت أثرها على تفكير ابن رشد مثل ابن عربي، وابن طفيل، وابن زهر، وابن ميمون. خزائن معرفية مرتحلة صقلت شخصيته على مراحل، في الطب والفلك والفلسفة والفقه، في محاورات ورسائل وسجالات وضعته في مقامٍ آخر.
بعد أكثر من 100 عام على وفاة ابن رشد، سيحجز دانتي مكاناً له في «الكوميديا الإلهية»، ولكن في باب الجحيم، ثم سيستعيد مكانته في أوروبا بعد قرون. يحشد صاحب «صمت الآلهة» اقتباسات كثيرة من خصوم ومريدي ومعلمي ابن رشد، تبعاً لترحال مخطوطاته وكتبه ومحاوراته، بالتناوب مع سيرته الذاتية مثل علاقته بوالده الذي كان فقيهاً وقاضياً، وزواجه على مضضٍ من ابنة خاله سارة، بالإضافة إلى أول علاقة عشق عاشها مع صاحبة مكتبة خاصة تدعى «لبنى». كان في الخامسة والعشرين، حين هام بهذه المرأة الأربعينية الفاتنة التي أهدته كنوز مخطوطاتها وكتبها النفيسة، قبل أن تمنحه جسدها ليكتشف للمرّة الأولى معنى اللذّة: «الحب حاجة يشقّ كبحها، إلى الذوبان في الآخر حدَّ أن يصير الواحد منا الآخر»، و«لقد كانت مبتدأ حبي ومنتهاه».
في مجريات محاكمته، سينكر ابن رشد علاقته بمخطوط يحض على الإلحاد والتجديف، اتهمه بعضهم بأنه من تأليفه، لكنه سيراوغ في الإجابة عن الأسئلة الإشكالية، وخصوصاً حيال محتويات كتابه «فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة والاتصال»، مؤكداً أنه «لا يجب النظر إلى الشريعة إلا باعتبارها حقيقة يفسرها العقل». سوف لن تخمد الدعاوى ضد هذا الفيلسوف قرناً وراء آخر، فما زال أحفاد الغزالي يتداولون كتب ابن رشد كتهمة عابرة للأزمنة. ففي الذكرى الخمسين لغيابه، سيقول أحد فقهاء إشبيلية لتلاميذه: «فوق سماء العقل توجد سماء أخرى أعلى وأقدس، إنها سماء التجلّي الإلهي. ثم ختم قائلاً: اللعنة على ذكرى ابن رشد.
خلخل سكونية التفكير الأوروبي بشروحاته لفلسفة أرسطو وأفلاطون

وردّد الحشد اللعنة جماعةً. واحتجبت الشمس». كأن هذه الرواية هي تأريخ للعنة التي لحقت بابن رشد ولا تزال تلاحقه إلى اليوم، وامتحان سردي في تفكيك الوثيقة التاريخية ووضعها في مهبّ التخييل، وفي المقلب الآخر اختبار أدوات الروائي في العمل على أسئلة الفلسفة، وشحنها بجرعات حياتية بقصد كسر حدّة الأفكار وهندستها على نحوٍ آخر، من دون أن يتجاهل البؤرة الأساسية للشخصية الروائية وهي «حرية التفكير». هذه الحرية التي أتاحت لفيلسوفنا التجوال بين مختلف العلوم وصوغ عقلانية عالية لطالما اصطدمت بفتاوى مضادة، من الجامع والكنيسة في آنٍ واحد. لكن حرية التفكير نفسها حُجبت عن خصومه «روائياً». على الأرجح، سننسى في منعطفٍ ما، بأننا نقرأ رواية خالصة، رغم محاولات الراوي تعزيزها بحكايات جانبية مثل مراسلاته مع ابنه، ومع ابن ميمون، وموت سارة، وقبلها لبنى، لإنعاش سكونيتها هنا وهناك وانزلاقها نحو المعلومة أكثر من عنايتها بالإيقاع الروائي. ها نحن نغرق في معنى «علم الكلام» وأعلامه، «ربما يتوجّب عليّ كتابة علم كلام مضاد. علم كلام بديل، لأنني لا أتصوّر هدم بناء من دون تقديم بناء غيره». تعاقب حلزوني في بناء الزمن الروائي يعيدنا إلى موقف الكنيسة من ابن رشد وأمثاله بعد مرور 300 سنة على وفاته، بإصدار مرسوم يمنع طباعة الكتب قبل مراقبتها من الكنيسة، وإدانة من يقول بأن النفس فانية واعتباره مارقاً «وأولهم الرشديون». ثم يختتم الراوي وقائع الرواية عند عام وفاة ابن رشد: «علمتُ أن كتبي ومخطوطاتي قد انتُزعت من مكتبات مراكش وفاس وقرطبة وإشبيلية لحرقها في الساحات العامة. أتصور بفزع كتبي، كل ساعات الكد تلك، أوقات انصهار نفسي وأنفس من سبقني ومن علّمني، وقد فَنيت وصارت غبار علم ومهانة».

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا