بدأتْ ترِد أخبار وحكايات مخيفة ومقلقة عن المصابين، وكيف يمرضون ويتألمون ويموتون، وينقلون العدوى إلى أي شخص بالتنفّس أو اللمس وحتّى صدفة. وعمّ الذعر والهلع، وتمّ إغلاق باب البرج. لم يعدْ أحد يدخل أو يخرج، باستثناء جنود أستَدار الصحية الذين يأتون إلى البرج بالتموين، وصار الجميع يبتهلون إلى الله متضرّعين أن يمرّ هذا المرض القاتل المخيف الذي حلّ عقاباً على الخطايا والآثام. دعوا الله أن يبعده عنهم، وتضرعوا إليه ألّا يصيبهم منه مكروه، أو يصيب أحداً بسوء.

لكن الوباء لم يتركْهم بحالهم وشأنهم. أُصيبَ ثلاثة جنود مماليك، وأربعة عمال وعاملات مماليك بالمرض، وغادروا البرج للعلاج، ولم يعدْ منهم أحدٌ. كما أُصيبَ المملوك نور الدين أيوب التركماني بالعدوى، وبدا عليه الصداع والإرهاق وشكا من آلام بالعضلات، وسُخونة مفاجئة مع رعشة وإسهال، وبدأ ينزف من أنفه دماً مُبقعاً، وتحول شكله إلى اللون الأسود، وجرى نقله إلى بيمارستان بين القصرين، بعدما تورمت الدمامل أسفل جلده، وتبقّعتْ باللون الأحمر، وارتفعتْ حرارته، ولم يُعرفْ عنه شيء، وبقيَ أصحاب البرج متلهّفين لعودته، أو سماع خبر يطمئنهم. لكنهم لم يسمعوا شيئاً، ولم ترِدْ أية أخبار، وبدؤوا بنسيانه ما عدا صديقه وجاره في الغرفة جميل الدين حسن الكفراوي المصري الذي بقي يفكر به طويلاً، وظلّ يتذكره طيلة الوقت أثناء إغلاق البرج في شهور الصيف الطويلة المقلقة، ويفكر بأحبائه في كفر أخشويش، وهل ما زالوا يتذكرونه، أم أنهم نسوه منذ مدةٍ بعيدةٍ.

منمنَمة من العصر المملوكي

كانت أيضاً مملوكتان أُخريان، تسكنان في الطابق العُلوي، تتحدثان همساً عن وضع المملوك الصغير نور الدين أيوب التركماني، وتتمنيان لو أنه لا يزال على قيد الحياة فيعود، وتذرفان الدموع. لكنهما تجنبتا ذكر ذلك أمام الصغير جميل الدين الكفراوي الذي سألهما عنه مراراً، فردّتا أنه بخير، وسوف يعود حالما يشفى. وقامتا وأغدقتا عليه المزيد من العاطفة والحنان.
قال الراوي: طالتْ أيام الوباء، وتوقفتْ كلّ أعمال التدريس والتمرين، وتوقف كل شيء. وبدا التوتر والخوف على الوجوه، واستبدّ القلق بالجميع. وصار المماليك الكِتابية الفتيان يمضون الوقت بكامله في الحديقة الكبيرة التابعة لبرج العمائر، ولا يفعلون شيئاً سوى الجلوس بظل أشجار التوت والكافور العملاقة. لم يعد أحد يسألهم عن أداء الصلاة، ولا عن أي واجب أو عن أي شيء، وتركوهم وشأنهم. وقالوا لهم: — اذكروا الله كثيراً، واطلبوا منه الرحمة والنجاة.
اتّبع الأمير ظاهر الدين كيفوريان خطةً قضتْ بأن يبتعد الأولاد عن بعضهم طيلة النهار والليل، وأن ينام كل مملوك بعيداً عن الآخرين، منعاً لالتقاط العدوى، وهدّد بأنه إذا ما وُجد مملوكان ينامان قريبين من بعضهما فسوف يتم إلقاؤهما من سطح البرج الذي صاروا ينامون عليه في فصل الصيف، بعد أن نصبوا لهم خيمةً كبيرةً على السطح من القصب والقش اليابس، حتى لا يتم نقل عدوى الطاعون من الشخص المصاب إلى الآخر السليم.
لكن الخوف من الإصابة بالوباء كان كفيلاً بردع هؤلاء الفتيان، وكافياً لتقيّدهم بالتعليمات أكثر بكثير من التهديد برميهم من السطح العالي.
صارتْ تأتي أخبار من مجموعات الأستَدار المؤلفة من أمير وخمسة جنود، المشرفة على تزويد مطابخ مماليك السلطان الكتابية بالغلال والمآكل لإطعام سكان برج العمائر وغيرهم من ساكني تلك الأبراج والقلاع، ومن أستَدار الصحية خاصة السلطان الجديد صلاح الدين الأشرف خليل بن قلاوون ثامن ملوك الترك المماليك في مصر والشام، الذي خلف والده السلطان المنصور على السلطنة، والذي أوصى بالاهتمام بمماليكه في هذه المحنة الشديدة، وأمر بفتح أهراء الغلال للضرورة بعد حلول المرض لتغذيتهم.
روتْ تلك الأخبار عن أمور مرعبة مثل وجود جثث لأشخاص ماتوا بالوباء في ذات اليوم، وتم إلقاؤها في الشوارع والأزقة ليلاً، ولم يُعرفْ أصحابها، وأنه تمّ إحصاء حالات وفاة عشرات الأشخاص ناتجة عن هذا الداء في يومٍ واحد بالقاهرة، وأنهم صاروا يحفرون في القرافة الكبرى حُفراً كبيرة يدفنون فيها الموتى. حفرة للذكور، وأخرى للإناث. لكنهم في الأخير صاروا يلقون الموتى من ذكور وإناث في حفرةٍ واحدةٍ، وكيفما كان، ولم يعودوا يميزون، وأن الشيخ الذي يصلّي على الموتى صار يصلّي بسرعة من مكان بعيد لخوفه من التقاط العدوى، ولكثرة قيامه بذلك الفرض الديني طيلة النهار.
ورُويَ خبر مرعب كالتالي: «إنه عند إلحاد عدد من الموتى بالتراب، سمع الشخص الذي يقوم بإهالة التراب على الموتى أصوات استغاثة وأنين آتيةً من القبر الجماعي، واعتقد بأن الأصوات انبعثتْ من ثلاثة أشخاص أو ربما من أربعة، فهو لم يستطع أن يميز. لكن حفّار القبور أصمّ أذنيه عن سماع تلك الأصوات المذعورة المستغيثة، وقام بسرعةٍ بإهالة التراب عليهم، وفرّ مسرعاً وابتعد خائفاً. وقالوا إنه أُصيب بالجنون، وقال آخرون بل إنه التقط العدوى قصاصاً عادلاً على فعلته الشنيعة، ومات بعد عشرة أيام. وهكذا نال الجزاء الذي يستحق». وردّ آخرون بأن ذلك لم يحصل ولا أساس له، وما قيل هو مجرد تهيؤات وتخيّلات.
وروى آخرون بأن أمثال هذه الحادثة تكررتْ مرات عديدة، وبغير مكان. وأمر والي القرافة أن يتم حفر حفرتين كبيرتين كل يوم سلفاً، ليتمّ دفن الموتى بسرعة. وقال جنود الأستَدار بأنهم خائفون جداً بعدما شاهدوا مئات المصابين في البيوت وعلى الطرقات، وقد أصابهم الضعف والهزال، وصاروا جلداً على عظم، ولم يبقَ منهم إلا تورمات سوداء، أو حمراء كبيرة، ودمامل بشعة تحت الجلد وفوقه. كان هؤلاء المرضى يشكون من آلام بالعضلات ويرتعشون، ويهزّون رؤوسهم بشكل سريع. البعض يتقيأ ما في معدته، ومن كان مصاباً بالإسهال كان يتمّ الإجهاز عليه فوراً، وأن أكثر ما يشكون منه هو الحرارة التي كانت تستمر وقتاً طويلاً، وصار لونهم أسودَ. وزعم آخرون بأنه جرى حرق عدد من الموتى في عدة أماكن! وأنهم يدعون الله ليرفع هذا الكابوس القاتل عن الناس الذي هو إشارة وعلامة من علامات الساعة وقرب يوم القيامة.
لم يترك الأمير ظاهر الدين كيفوريان مماليكه، ولم يتخلَّ عنهم في هذه المصيبة. راقبهم عن قرب دون أن يختلط بهم، ومنعهم من الاختلاط بأحد أو ببعضهم. وظلّ يوجههم، ويحثّهم على الإكثار من النظافة وغسل وجوههم، وفرض عليهم الاستحمام يومياً بمياه النيل، وطلب منهم أن يخبروه عن أي شخص ترتفع حرارته أو يُصاب بالتقيؤ، أو الإسهال ليُعالج فوراً، ولفصله عن الباقين. لكنّ الأزمة مرتْ بعدما استمرتْ طيلة أيام الصيف، وبعضاً من فصل الخريف.
ففيما كان المماليك الكتابية نائمين ليلاً على سطح البرج في أواسط شهر هاتور(1)، استيقظوا فجأةً بعدما امتلأت السماء بالبروق وبقصف الرعود، على هطول الأمطار الغزيرة التي نزلت دفعةً واحدةً وبغزارة، وبلّلت ثيابهم وفرشهم. فنزلوا بسرعة من أماكنهم. أخبرهم الأمير ظاهر الدين كيفوريان بأن الطاعون سيختفي عند هطول المطر ولن يعود ثانيةً.
— عليكم أن تفرحوا بهطول المطر، فهو البشارة بزوال المرض. لا طاعون بعد الآن، والخطر زال.

(1) شهر قبطي، يقابل شهر تشرين الثاني (نوفمبر)
(*) فصل من رواية «ضربة شمس: سيرة المملوك الضائع الأمير حسن المصري»، الصادرة حديثاً عن «الدار العربيَّة للعلوم ناشرون/ بيروت»، للكاتب اللبناني صخر عرب. هذه الرواية هي الخامسة للكاتب، بعد: «الأمل والمطر»، «نسيم الشمال»، «حكايات منسية من المدينة» و«أوراق كاتب عدل».

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا