ترجمة: يزن الحاج
في البدء كان شعب الحيوان – قبل أن يوجد أيُّ بشر. كان ذئب القيوط الحيوانَ الأهمَّ إذ قدَّمَ، بعد تكليفه من الروح الأكبر، الإسهامَ الأكبرَ، من بين الحيوانات الأخرى، في جعل العالم مكاناً جديراً بالعيش. ولكنْ مرّت أيّام لم يكن فيها القيوط مُكلَّفاً بأعمال من الروح الأكبر. فسلّى نفسه عبر إحداث شغبٍ وفوضى. بل إنّه كان ضحيّة شغبه مراراً، ما أثار ضحك الجميع – الجميع ما عدا الخُلدة. كانت الخُلدة زوجة القيوط. يُطلق شعبي اسم سن-كا-لب (Sin-ka-lip) على القيوط، ومعنى الاسم «المُقلِّد». إذ كان يبتهج حينما يتهكّم من الآخرين أو يُقلِّدهم، أو حين يكتفي بمجرّد المحاولة، وكان يُسمّى أحياناً «المحتال»، لأنّه كان بارعاً في الحيل والمكائد. الاسم الذي نطلقه على شعب الحيوان هو تشب-تشاب-تيكولك (Chip-chap-tiqulk) (حرف «ك» الأخير بالكاد يُلفَظ)، ونستخدم الاسم نفسه للحكايات التي تُروى عن شعب الحيوان وعن زمن الأساطير. بالنّسبة إلى الأجيال الأصغر سناً، تبدو التشب-تشاب-تيكولك حكايات غير معقولة؛ وهذه إحدى نتائج مدارس البِيض. ولكن بالنّسبة إلى الهنود الأكبر سناً، ليست حكايات التشب-تشاب-تيكولك غير معقولة أبداً؛ إذ إنّها توصيفات لما حدث فعلاً حينما كان العالم ما زال طفلاً.
(المترجم)



نادى ها-آه إيل-مي-وهين (الروح الأكبر العظيم) شعب الحيوان ليجتمعوا. جاؤوا من أنحاء العالم كلّها. ومن ثمّ أخبرهم الروح الأكبر أنّ ثمّة تغييراً سيحدث، أنّ جنساً جديداً هم البشر سيعيشون في الأرض.
قال الروح الأكبر: «لا بدّ أن يكون لكم كلّكم يا تشب-تشاب-تيكولك – شعب الحيوان – أسماء. بعضكم يحمل أسماء، وبعضكم لم ينلها بعد. ولكن بحلول غدٍ سيكون للجميع أسماء يحملونها وتحملها ذرّيّتكم إلى آخر الزّمان. في الصّباح، حينما يظهر أوّل ضوء في النّهار، تعالوا إلى بيتي واختاروا أسماءكم. يمكن لأوّل الواصلين أن يختار الاسم الذي يشاء أو تشاء. ويمكن للتالي اختيار أيّ اسم آخر. وهكذا إلى أن تُؤخَذ الأسماء كلّها. وسأُكلِّف كلّ واحدٍ منكم بعمل».
أثار هذا القول حماس الحيوانات. رغب كلٌّ منهم باسمٍ جليلٍ، وبسُلطةٍ تخوّله حُكم قبيلةٍ من القبائل أو بقعة من بقاع العالم، وعَزَمَ كلٌّ منهم على الاستيقاظ باكراً وعلى الإسراع إلى بيت الروح الأكبر.
تبجَّح سن-كا-لب – القيوط – بأنّه سيسبق الجميع. تجوَّل بين الحيوانات وأخبرهم أنّه سيكون أوّل الواصلين. لم يكن القيوط يحبّ اسمه؛ وأراد اسماً جديداً. لم يكن ثمّة مَنْ يحترم اسمه، المُقلِّد، ولكنّه كان يليق به. كان يُسمّى سن-كا-لب لأنّه يحبّ تقليد الآخرين. كان يظنّ أنّ بمقدوره فعل كلّ ما يفعله الآخرون، وادّعى معرفة كلّ شيء. يطرح سؤالاً، وحين يأتيه الردّ يندفع للقول:
- «أعرف هذا أصلاً. لا أحتاج إلى مَنْ يخبرني به».
ولكنّ هذا الكلام المتبجّح كان يمنع القيوط من اكتساب أصدقاء. وكذلك لم يكتسب أصدقاء بسبب التصرّفات الحمقاء التي يفعلها، والحِيل الوقحة التي يحتال بها على الآخرين.
كان يتبجّح: «سأختار واحداً من أعظم ثلاثة أسماء. تلك الأسماء هي: كْلي-لاو-ناو، ابن الجبل – الدبّ الأشهب، الذي سيحكم شعب البرّ ممّن يمشون على أربع قوائم؛ ملكا-نوبس، النّسر الذي سيحكم الطَّير؛ إن-تي-تي-أوي، السبّاح البارع – سمك السلمون. سيكون السلمون زعيم الأسماك التي سيقتات عليها الخلق الجديد».

غلاف الكتاب (تفصيل)

انفجر توأم القيوط، الثّعلب، بالضّحك، وهو مَنْ سينال مع شمس اليوم التالي اسم واي-آي-لوه، الفرو النّاعم: «لا تكن واثقاً جداً يا سن-كا-لب. لعلّك ستحتفظ باسمك الذي تحمله الآن. الجميع يكره هذا الاسم. لا أحد سيطلبه».
«سئمتُ هذا الاسم،» صاح القيوط بغضب. «فليأخذه حيوان آخر. فليأخذه أحد العجائز – عجوز يعجز عن الفوز في حرب. سأكون محارباً عظيماً. يا أخي الذكيّ، سأجعلك تتملّقني حين أُسمّى الدبّ الأشهب، أو النّسر، أو السّلمون».
سخر منه الثّعلب: «كلماتك المتبجّحة لا معنى لها. من الأفضل أن تذهب إلى خيمتك، وتأخذ قسطاً من النوم، وإلّا لن تستيقظ في الوقت المحدّد ولن تختار اسماً».
جرَّ القيوط نفسه إلى خيمته. قال لنفسه إنّه لن ينام هذه الليلة أبداً؛ بل سيبقى مستيقظاً إلى الصباح. دخل إلى خيمته، فصاحتْ جراؤُه بصوتٍ واحد: «لي-إي-أو!» (أبي!).
كانوا جائعين، ولكنّ القيوط لم يجلب طعاماً. أمّا أمّهم، التي صار تُسمّى بل-لاكو-وهو – الخُلدة، الحفّارة، بعد يوم منح الأسماء، فقد أقعتْ على قدمها عند زاوية عتبة الباب. كانت الخُلدة امرأة طيّبة، مخلصةً لزوجها على الدوام برغم تصرّفاته الدّنيئة، واختلاقه للمشكلات، وحماقته. لم تكن غيورةً يوماً، ولم تَسْتَغِبْه بكلمة، ولم تردّ على إساءاته لها بالكلام. نظرتْ إليه وقالت:
«ألم تجلب طعاماً للأطفال؟ إنّهم يتضوّرون جوعاً. لم أجد جذوراً أنبشها».
«هو هوووه!» تذمَّر القيوط. «لستُ كائناً عادياً كي أُخاطَب بهذه الطريقة. سأصبح زعيماً عظيماً في الغد. هل تعرفين هذا؟ سيكون لي اسمٌ جديد. سأكون الدبّ الأشهب. وبذا سأَلْتَهِمُ أعدائي بسهولة. ولن أكون بحاجة إليك بعد الآن. صرتِ عجوزاً وبيتوتيّة بحيث لا تصلحين زوجةً لزعيمٍ ومحاربٍ عظيم».
لم تنطق الخُلدة بكلمة. استدارت إلى زاوية الخيمة وجمعت عدة عظام قديمة، وضعتها في كْلِكْ-تشن (قِدْر الطبخ). وبالاستعانة بغصنين صغيرين التقطتْ أحجاراً ساخنةً من النار ورمتها في القِدْر. سرعان ما غلت المياه، وصارت هناك شوربة خفيفة للأطفال الجياع.
«اجمعي ما يكفي من الخشب للنار». أمرها القيوط. «سأسهر طوال الليل».
أطاعته الخُلدة. ومن ثمّ ذهبت هي وأطفالها للنّوم.
جلس القيوط ساهراً عند النار. مضى نصف الليلة. نعس. ثقل جفناه. لذا التقط قطعتَيْ خشب صغيرتين وباعد بين جفنيه. فكّر: «سأبقى مستيقظاً الآن». ولكن استسلم للنّوم بعد هنيهة وجيزة، مع أنّ عينيه بقيتا مفتوحتين.
كانت الشّمس قد ارتفعت في السّماء حين استيقظ القيوط. لولا أنّ الخُلدة نادته لم يكن ليستيقظ. نادته الخُلدة. نادته وأيقظته بعد أن عادتْ باسمه من بيت الروح الأكبر. كانت الخُلدة تحبّ زوجها. ولم تكن راغبةً في أن يمتلك اسماً عظيماً فيصبح زعيماً قوياً. إذ خشيت أنّه سيتركها حينئذ. ولذا لم توقظه مع طلوع الشّمس. ولكنّها لم تصرّح بهذا له.
نصفَ مستيقظِ بعد، ظاناً أنّ الوقت ما يزال الصباح الباكر، قفز القيوط عند سماع صوت الخُلدة وهرع راكضاً إلى بيت الروح الأكبر. لم يكن هناك أحد آخر من جماعة تشب-تشاب-تيكولك. ضحك القيوط. ودخل إلى البيت وهو يرمش بعينيه النّعستين، ثم صاح: «سأصبح كي-لاو-ناو. هذا ما سيصبح عليه اسمي».
«أُخذ اسم الدبّ الأشهب منذ الفجر»، أجابه الروح الأكبر.
«إذن سأصبح ملكا-نوبس»، قال القيوط بصوتٍ أخفض.
«طار النّسر مع ارتفاع الشّمس»، ردَّ الروح.
«حسناً، سأُسمّى إن-تي-تي-أوي،» قال القيوط بصوتٍ خفيضٍ جداً.
«أُخذ اسم السلمون أيضاً،» فسَّرَ له الرّوح. «أُخذت الأسماء كلّها ما عدا اسمك. لم يشأ أحد سرقة اسمك منك».
خارت ركبتا القيوط المسكين. انهار قرب النّار التي كانت تتّقد بقوّة في الخيمة، فتأثّر قلب ها-آه إيل-مي-وهين.
قال له: «سن-كا-لب، لا بدّ أن تحتفظ باسمك. إنّه اسمٌ جيّد يليق بك. نمتَ طويلاً لأنّني أردتُ أن تكون آخر الواصلين هنا. لديّ عمل مهم لك، سيكون لديك عمل كثير تؤدّيه قبل مجيء الجنس الجديد. ستكون زعيم القبائل كلّها.
كائنات سيئة كثيرة تسكن الأرض. إنها تزعج الناس وتقتلهم، ولا يمكن للقبائل أن تتزايد كما أودّ. لا يمكن السّماح لهؤلاء إن-ألت-نا سكل-تن – الوحوش التي تلتهم الناس – بمواصلة ما تفعله. لا بدّ من إيقافها عند حدّها. وستقع عليك مسؤوليّة هزيمتها. وحين تفعل هذا، ومن أجل كلّ الأشياء الجيّدة التي فعلتها، ستُكرَّم وتُبجَّل من الكائنات الموجودة الآن ومن الكائنات التي ستأتي بعدها. ولكن – أيضاً – ستكون موضع سخرية واحتقار للأمور الحمقاء والدّنيئة التي ستقترفها. لا مفرّ من هذا. هذا مسار حياتك المحتوم.
«وكي أُسهّل عليك عملك، سأَهِبُكَ سكواس-تنك. إنّها قوّتك السحريّة الخاصة. لن يمتلكها أحدٌ سواك. حين تكون في خطر، ومتى ما احتجت إلى عون، استدعِ قوّتك. ستساعدك كثيراً، وبالاستعانة بها يمكن لك أن تغيّر شكلك إلى أيّة صورة أخرى، وإلى أيّ شكل يحلو لك.
«ولأخيك التوأم، واي-أي-لوه، وللآخرين، وهبتُ قوّة شو-مش. وهي قوّة هائلة. يمكن للثّعلب مستعيناً بهذه القوة أن يعيد لك حياتك لو قُتلتَ. قد تتبعثر عظامك، ولكنْ لو تبقّتْ شعرةٌ واحدةٌ من فرائك، يمكن للثّعلب أن يعيدك حياً من جديد. ويمكن للكائنات الأخرى أن تقوم بالأمر ذاته مستعينةً بقوّة شو-مش. والآن اذهب يا سن-كا-لب! أَدِّ العمل الذي كُلِّفتَ به!».
إذن، صار القيوط زعيماً في نهاية المطاف، وأحسّ بالانتعاش من جديد. صارت عيناه مختلفتين منذ ذلك اليوم. صارتا مائلتين بما أنّه تركهما مفتوحتين وهو نائمٌ عند النار تلك الليلة. وقد أخذ الهنود، الجنس الجديد، أعينهم المائلة قليلاً من عينَيْ القيوط.
بعد ذهاب القيوط، فكّرَ الروح الأكبر أنّ من الجيّد لشعب الحيوان وللشّعب الجديد القادم أن يتمتّعا ببيت بخار الطّهارة الرّوحانيّ. ولكنّ جميع الحيوانات أخذت أسماءً لها، ولم يتبقّ أحدٌ ليأخذ اسم بيت بخار الطّهارة – كْوِلْ-ستن، المدفأة. ولذا أخذتْ زوجة الروح الأكبر هذا الاسم. أرادت لجميع الكائنات أن ينتفعوا من بيت بخار الطّهارة، إذ أشفقتْ عليهم. أرادت لهم أن ينالوا مكاناً يلجؤون إليه ليطهّروا أنفسهم، مكاناً يمكن لهم فيه أن يصلّوا من أجل اكتساب القوّة والنّصيب الجيّد ومنافع الطبّ القويّة، حيث يمكن لهم أن يقارعوا المرض ويتخلّصوا من كلّ ما يكدّرهم.
تُمثّل الأضلاع، أو أعمدة الإطار، في بيت الطّهارة زوجةَ الروح الأكبر. وبما أنّها روحٌ أيضاً، فهي غير مرئيّة، ولكنّها موجودةٌ في الجوار دوماً. ثمّة أناشيد مُكرَّسةٌ لها يغنّيها الجيل الحاليّ. إنّها تسمعهم. تسمع ما يقوله النّاس، وقلبُها مفعَمٌ بالحبّ والرّحمة.

(*) هوميشوما (يمامة الحِداد): كاتبة أميركيّة من السكّان الهنود الأصليّين، اشتُهرت باسمها الأميركيّ «كرستين كْوِنْتاسكِتْ». ولدت عام 1888. اضطرت للتخلّي عن لغتها الأصليّة حتّى كادت تنساها حين تلقّت التعليم في مدارس البعثات التبشيريّة في ولاية واشنطن. ولكنّ قربها من جدّتها لأمّها أكسبها ذخيرةً هائلةً من القصص الفولكلوريّة التي جمعت بعضها في هذه المجموعة التي صدرت عام 1933. وكانت قد أصدرت رواية «كوغيويا» عام 1927 التي كانت إحدى أوائل الروايات التي كتبتها مؤلّفة من السكّان الأصليّين، وإنْ كانت مجموعة القصص هي التي رسّخت اسمها أكثر. توفيت عام 1936.

(**) حكاية مجتزأة من كتاب «حكايات القيوط»، من تجميع هوميشوما، الصادر حديثاً عن منشورات «تكوين» (الكويت) و«دار الرافدين» (بيروت/بغداد).


اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا