في السابع من شهر كانون الأول (ديسمبر) عام 2015، تمّ الهجوم على مركز المجلة الأسبوعية الساخرة «شارلي إبدو» في باريس، من قِبل مجموعة من المتشدّدين، كردّ فعل على الرّسم الكاريكاتوري لنبيّ الإسلام، في ما اعتُبر كتجديف بالمعتقد وإهانة للمسلمين وإهانة لرمز مقدّس من رموزهم، ما أدّى الى مقتل عدد من عمّال المجلّة وأحد أفراد الطاقم البوليسي. إنّ هذا الحدث الذي أثار اعتراض عدد كبير من الأوروبيين وحمل عدداً كبيراً للتظاهر معبّرين عن رفضهم الإرهاب والعنف وتأكيد حقّ الفرد في حرية الرأي والتعبير، ما لبث أن تذكّره العالم مرّة أخرى قبل أيام معدودات، حين أقدم شابٌّ شيشاني مسلم على قطع رأس مدرّس فرنسي في مدينة باريس، لعرضه الكاريكاتور مرة أخرى أمام الطلاب، ضمن إطار النقاش حول حرية الرأي والتعبير. يُعتبر موضوع التجديف من الأمور الحاضرة منذ وجود الأديان، تختلف الأحكام باختلاف الدين وتطوره التاريخي، تحددها المراجع الدينية العليا، كالكنيسة أو الفقهاء المسلمين كما تتدخل القوانين الوضعيّة لتنظيم هذه الأمور. في هذا البحث، سأستعرض موضوع «التجديف» في الفنون وتطور أحكامه في التّاريخ، وكيف تختلف الأحكام في قضاياه، بالتركيز على رأي الكنيسة من دون التعمّق برأي الإسلام في هذا الموضوع، لأنّ الإسلام حسم منذ البدء، إذ حرّم تصوير الله وأنبيائه وأئمته ورسمهم. يتجلّى ذلك على سبيل المثال في عدم اللجوء إلى التزيين داخل المساجد بأيقونات تُظهر إطلالتهم ووجوههم والاستعاضة عن ذلك بالفسيفساء وفنّ التخطيط، بعكس الكنيسة التي لجأت إلى الرسم كوسيلة للتثقيف الديني.

«بول المسيح» (1987) للأميركي أندرياس سِرَّانو الذي صرّح أنّه أراد أن يظهر المسيح كـ «إنسان من لحمٍ ودم»

نبذة تاريخيّة
في القرن السّادس ميلاديّاً، أعارَ البابا جورج الأوّل اللوحات الفنيّة بمضمونها الديني أهمّيةً كبيرة. إذْ اعتبر أنّ «الرّسم هو بالنسبة للأميّين بمثابة الكلمة لمن يستطيع القراءة». هذا القول ناقض بدوره تيارات دينيّة أخرى متزامنة ومغايرة، اعتبرت أن رسم المسيح أمرٌ غير جائز باعتباره صورة الإله التي «لا يمكن وصفها، فهو خارج عن نطاق الوعي الإنساني، وصورته لن تتغيّر وليس لها مقاييس. ولذلك فلن يعدله أيّ رسم يمثله». مع ذلك، ما كان من الفنانين إلّا أن اتبعوا الكنيسة التي تدعو إلى رسم الرموز الدينية لإرضائها والتقرّب منها، إلّا أنّ هذا الوضع سيتغيّر ليعكِّر مزاجها ويخلق نقاشات بينها وبين الفنّانين، ويطرح أسْئِلة حوْل ما هو مسْموح وما هو ممنوع في رسمِ الرّموز المقدّسة.
استعانت الكنيسة في بادئ الأمر بالرسّامين بهدف إيصال رسائل دينيّة وقدسيّة من خلال سرْد عذاب المسيح وصلبه عبْر اللوحات الفنيّة من دون أن تصبو للسماح بالتّمادي أو إطلاق العنان لمخيّلة قد تصل إلى مرحلة الإساءة للدين. من أهداف الكنيسة ورسالتها التي تبلْورت، خاصّةً في عصْر النّهضة، هو التأثير على الشعب عاطفيّاً ونفسيّاً من خلال الفنْ، الذي سيمجِّد بالتأكيد المضمون الديني لهذه الفنون: «إذْ كلّما تكرّر ذكر المثل الأعلى في العمل الفنّي، حفرت هذه المضامين عمقاً في الذّاكرة، هي التي ستدعو النّاس إلى اتباعها (محاكاتها)، لأنّ تشريف اللّوحة هو تشريف مضمونها، ومن يقدّس اللّوحة يقدّس ما تحتويه». (Konzil von Nizäa, 787 n.Ch.)

القرن التاسع عشر ونقد الألوهية المطلقة
أحْدثَ النصف الثاني من القرن التاسع عشر قفزةً نوعيّةً في مجال العلْم والفلسفة والفن، تبلور من خلال اكتشاف تقنيّة التصوير من ناحية والمدرسة الفلسفيّة الوضعيّة وعلى رأسها أوغِست كومتْ، كذلك الفلسفة العقلانية والتجريبية من ناحية أخرى. أدّى هذا التطوّر إلى تغيير في فهم فكرة الإله، فتمّ نقد الألوهيّة المطلقة التي لا تقبل أيّ مس، زاد على ذلك ظهور النظريّة الداروينية التي شكّكت في نظريّة الخلق الذي كان قد تبنّاها سِفر التكوين (Buch Genesis). هذا التطوّر الفكري في فهم موضوع الإله والخلْق وعلاقته بالفرد، امتدّ حتّى القرن العشرين.
اتخذت الفنون الدينية المعاصرة منحى تحرّرياً جديداً، فكسر الفنانون كلّ القيود لتحفيز المشاهد على فهم ورؤية وقراءة الحقائق الدينية في اللّوحة الفنّية بطريقة مختلفة تنبع من التّجربة والرّأي الشخصي للفنان. هذا التحديث وضعَ الكنيسة على الهامش بعدما تفاعل الفنانون تجاه سيطرة الكنيسة بالتجاهل والرفض، إلى درجة أنّه يمكن القول بأن الفن قد اشتاق إلى المسيح «الإله» الذي لم يثبت يوماً على شكل واحد!

في التصوير الفوتوغرافي
يَعتبر المنظِّر الثقافي الفرنسي باول فيريليو أنّه بنهاية القرن الثامن عشر، انتهى المفهوم التقليدي للجماليات والمنطق، ليحمل القرن القادم معه أي التاسع عشر حقبة جديدة ستؤثّر على الفنون عامة وتهيّئ للفن الفوتوغرافي ولفنّ الفيلم مكانةً جديدةً على السّاحة الثقافية. اعْتُبِرَتْ التقنيّات الجديدة وسيلةً إيجابيةً للتعبير عن المشاعر والأفكار بسبلٍ مستحدثة. وطوّر بذلك فنّ التصوير الفوتوغرافي هذه الآليّة التقليدية، لتفرض دورها في نتائج ستقرأ بطريقة مختلفة، فظهر الفنانون المعاصرون خلال تموضعهم بمعالجة الدّين في فنهم «كما لو أنّهم قد فهموا مضمون الكتب المقدّسة أكثر من غيرهم بأشواط».
استخدم الفنّانون فن التصوير الفوتوغرافي لعرض حياة المسيح. ولهذا الغرض، استعاروا أحياناً شخصهم ليلعبوا دور المسيح في الصّورة. مع تطوّر هذا الفن، أُتيحت إمكانيات أكثر لاستعراض لقطات من الحياة الدينية المسيحية بأساليب جديدة، حتى اعتُبر هذا الفن في القرن العشرين بمثابة «وسيلة لنقد الدين والوسيط في خلق الشك به». إذْ من خلال سلسلة من المعارض الفنيّة، يمكن استنتاج علاقة جديدة بين الفن والدّين، تجعل من اللّوحة الفنيّة مشهداً مختلفاً عن الأعراف والتّقاليد الفنيّة المتّبعة.
في الوقت الذي كان فيه الفن ملهِماً للكنيسة، تبدّلت الأدوار ليصبح الدين مصدر إلهام للفنانين. لكن بعض أعمالهم الفنية خلقت إشكاليات على صعيد القوانين الوضعية المحليّة وكذلك على صعيد الكنيسة كما على الصعيد الاجتماعي، بعدما اتُّهمت تلك الأعمال بالتجديف أو ما يعرف بـ «البلاسفيمي» (Blasphémie). من تلك الأعمال، نذكر على سبيل المثال العمل الفوتوغرافي «بول المسيح» (Piss Christ) لسنة 1987 للفنان الأميركي أندرياس سِرَّانو Andreas Serrano الذي يتضمّن عمله الفني المسيح مصلوباً وغاطساً في كوبٍ من البَوْل. هذا العمل الذي عُرض في معرض في مدينة أفينيون الفرنسية عام 2011 تم تكسيره من قِبل المتشدّدين المسيحيين، ما أسفَ له الفنّان، إذْ اعتبرَ أنّ عمله فُهم بطريقة خاطئة. فهو فنان مسيحي كاثوليكي ولم يقصد أبداً الإساءة أو التجديف بدينه. سِرّانو أراد أن يظهر المسيح في هذا العمل كإنسان من لحمٍ ودم تسري في جسده سوائل مختلفة ككل فردٍ منّا بحسب قوله. وتجدر الإشارة إلى أنّ الفنّان قد فاز عن عمله هذا بجائزة الفنون البصرية التي نُظِّمت من قبل «متحف مركز الجنوب الشرقي للفن المعاصر» في شمال كارولاينا المدعوم من «الصندوق الوطني للفنون»، وهو عبارة عن دائرة حكومية تابعة للولايات المتحدة الأميركية.
من أعمال التصوير الفوتوغرافي التي أثارت النّقاش والنّزاع على الساحة الدينية والفنية في ميونيخ في ألمانيا عام 2009 هو العمل الفوتوغرافي «مادونا مع طفل» Madonna mit Kind للفنّان السوري ربيع جرجس، وطبعاً يُقصد هنا بمادونا السيدة العذراء. في هذا العمل الفني، نرى مباشرة في مركز اللوحة سيّدة منقّبة ترتدي عباءة سوداء تغطي جسدها ووجهها بشكل كامل وهي تحمل بكفّيها المغطين بالكفوف السوداء طفلاً عارياً فاتح البشرة وهو يحاول أن يرضع من ثديها اليمين، وهو العضو الوحيد الذي يمكن رؤيته. إلّا أنّ الفنّان أراد أن يكون هذا الثدي المُرضع منزوع الجلد وباللون الأحمر الدامي.
حجاب المرأة الذي عُرف في شبه الجزيرة العربية تمتد جذوره إلى اليهودية والبيزنطية وكذلك المسيحية، وما دعمه في الإسلام هو الاجتهاد والأحاديث


أن نرى مادونا مغطاة بشكل كامل بتلك العباءة السوداء هو أمر غير معروف، ولم يكن له حضور في الإيكونوغرافيا أو علم دراسة الأيقونات في الدين المسيحي، خاصّة بهذا الشّكل الذي يُظهر العذراء بلباس هو بحسب النّظرة العفوية أقرب الى رداء المرأة المسلمة. فكيف يمكن لرمز من الرموز المسيحية أن يظهر برداء إسلامي محض؟ وماذا أراد الفنّان أن يقول من خلال ذلك؟ وما كان ردّ فعل الكنيسة على هذا العمل؟
عُرض هذا العمل الفني ضمن معرض «الإيمان غير محدود» Belief Unlimited في عام 2009 الذي نُظّم في مدينة ميونيخ وكان هدفه الحوار الديني والثقافي بأسلوبٍ معاصر، من خلال أعمال فنية متنوّعة لباقة من الفنانين المختلفي الجنسيات والأديان. بعد النجاح الذي حظي به هذا المعرض، تم اختيار بعض الأعمال ومن ضمنها «مادونا مع طفل» لعرضها في كنيسة ضمن مهرجان نُظّم في ما بعد في المدينة نفسها. لكن بطلب من رئيس الأساقفة، تمت إزالة عملين فنيين تضمنّا امرأة منقّبة ترتدي البرقع، إحدى هذه اللوحات هي لوحة الفنان جرجس. في حوار أجريته مع الفنان، روى كيف تفاجأ بردّ فعل رئيس الأساقفة، وكيف عَرضت عليه الكنيسة البروتستانية عرض لوحته تلك لديهم في «كنيسة سانت لوكاس» في ميونيخ.
إذا أردنا أن نصنّف اللوحة من حيث الشكل، سنضعها إيكونوغرافياً في خانة لوحات «العذراء المرضعة» Maria Lactans. إنّ مشهد المرضعة له جذور تعود إلى الحضارة المصرية، فنرى الإلهة إيزيس تُرضع طفلها هوروس لترمز إلى الخصوبة. وفي القرن الرابع عشر، اتّخذت صورة العذراء المرضعة معنى آخر، فأصبحت المرضعة هي مريم العذراء الإنسانة التي تعطي ابنها الإله صفة الإنسان من خلال حليبها. في عصر الباروك، نرى المرضعة العذراء في فن النحت حيث يتدفق الماء من ثدييها بغزارة. في القرن الثامن عشر، أصبح حليب العذراء بمثابة المخلّص، فنرى بعض المنحوتات التي تظهر أحد قدّيسي القرن الثالث عشر وهو يرضع من ثدي العذراء. بالعودة إلى «مادونا مع طفل» والثدي المعنّف المنزوع الجلد لامراة ترتدي للوهلة الأولى رداء إسلامياً في محاولة إرضاع الطفل المسيح الذي تحتضنه بكفَّين سوداوَين، هل يعتبر ذلك صورة محدثة ومعاصرة للعذراء المرضعة؟
ببحث تاريخي في ما ترتديه الشخصية التي تمثل مادونا بردائها الأسود الذي يغطّي كلَّ جسدها ما عدا ثديها المنزوع الجلد، نستنتج أن هذا الرداء لا يمثل بالضرورة ــــ كما سيعتقد الناظر للوهلة الأولى ــــ رمزاً مسيحياً بلباس إسلامي، إنما حقبات دينية مختلفة سبقت الإسلام وارتدت بدورها غطاء الوجه والجسد. لكن ماذا عن الثدي المنزوع الجلد؟ يعتبر الفنان أنّ مادونّا أو السيدة العذراء تمثل في هذا العمل صورة كل امرأة حجبت جسدها عن الخارج. فالمرأة بغطائها لجسدها تخفي هويتها وحقيقتها الإنسانية. فالطبيعة وهبت جسد المرأة معاني كثيرة، ستترجم في حال حجبها عن الرؤية بمعنى أوحد هو المعنى الجنسي. هذا الحجاب يُفهم بمثابة الحدود ما بين جسد المرأة والخارج، فهو الفاصل بين المرأة والآخر. هذا التهميش للمرأة وحصرها في دور واحد وهو الجنس، سيجرح وسيبدل من مفهوم أنوثة المرأة. هذا التبدل سيسلخ جلدها ــ ولذلك الثدي كما نراه ــــ تلك المفاهيم الموروثة ستنقل من جيل إلى جيل وسيرضعه الأطفال ليحملوه معهم في الحياة القادمة. نعم إنها العذراء المرضعة المحتوية أنوثةً ونعمةً ترضع طفلها المسيح الذي سيحمل معه هذا الجرح إلى العالم كما يشرح الفنان. إذن المضمون إنسانيّ محض ولا يهدف أبداً إلى إهانة أي دين من الأديان.

استطراد: السرد التاريخي لمفهوم الحجاب
ظهر أقدم تعبير لكلمة حجاب في عبارة «سِتْر» في القرن الخامس قبل الميلاد في سِفر الخروج Exodus ثاني أسفار العهد القديم، حيث سترَ موسى وجهه خوفاً من الوحي الإلهي الذي أُنزل عليه. بالإضافة إلى ذلك، فإن حجاب الوجه والرأس هو عادة قديمة تعود إلى ثقافات ما قبل التاريخ، وكانت تخص الرجال كما النساء. كان للحجاب أيضاً دوره في كتب العهد القديم والثقافات الإغريقية القديمة. مثلاً في عهد المشرّع الإغريقي صولون عام 561 ق.م.، فُرض على المرأة الحرّة «المَصونة» أن تغطي رأسها بينما الغانية حُرمت من ذلك. أما في كتب العهد القديم الدينية، فاعتُبر أنّه من شيم المرأة وعلامات فخرها ارتداء الحجاب وغطاء الوجه. أما سفر دانيال، فقد ذكر عن شخصية سوسن أو سوزانة أنها كانت تغطي رأسها ووجهها عند الخروج إلى العامة. أمّا في بلاد كنعان، فظهرت ثقافة الحجاب كما ذكرت البحوث في وقت متأخّر وهو القرن الثامن ميلادياً.
في الديانة اليهوديّة، فُرضت على المرأة قواعد أخلاقية. بالإضافة إلى قلّة كلامها ومصونيتها، عليها أن تغطي رأسها عند الخروج إلى العلن. وكذلك الأمر في المسيحية خلال الصلاة أو خلال حضور المرأة الخطب الدينية. أما المرأة العذراء، فهي متحرّرة من الحجاب إلى أن يحين موعد زواجها، «فيصبح جسدها وعاء إلهياً مكرّساً فقط للرب».
أما في عصر ما يُعرف بالجاهلية قبل الإسلام، فانتمى الحجاب إلى الهيكلية الاجتماعية واتّخذ أشكالاً عديدة عكست صورة المرأة في ذلك الوقت. كان هناك البرقع وهو غطاء الوجه الذي كانت تقتنيه البدويات، له فتحتان عند العينين، اقتنته النساء، والشابات والبنات، كما كان يُلقى أيضاً على وجوه الحيوانات التي كانت تستخدم للتنقل. بالإضافة إلى البرقع، كان هناك في ذلك الوقت القناع الذي كان يغطي الرأس والوجه معاً. ظهر تعبير القناع في ما بعد في الإسلام، وهو المشلح الذي يرتديه الأنبياء تحت العمامة، وكان دوره حماية العمامة من الاتّساخ والتعرّق. والشكل الثالث الذي كان سائداً في هذا الوقت هو العباءة بنوعيها الخمار والجلباب. هذان النموذجان يغطيان الرأس حتى الصدر. والشكل الأخير هو الفاصل القماشي بين مكان المرأة المخصّص لها في الخيمة أو المسكن، وبين مكان الرجل وهو يسمى بالحجاب. سُمح في الجاهلية للمرأة بالتخلي عن سترها فقط عند الهرب في حالات الحروب والسّبي، وعند النواح، وفي خلوة الحب والغزل أو إذا كانت في مكان مغلق.
ترى الأبحاث أن عبارة الستر في الإسلام وفي القرآن، استُخدمت بطريقة مختلفة عنها في الكتب الدينية التي سبقته، وبأنّ غطاء المرأة رأساً وجسداً لم يُفرض في القرآن بتاتاً، بل كان يخصّ فقط زوجات النبي محمد. وعلى ما تقدم، فيبدو أنّ حجاب المرأة الذي عُرف في ما بعد في شبه الجزيرة العربية تمتد جذوره إلى اليهودية، والبيزنطية، وكذلك المسيحية، وما دعمه في الإسلام هو الاجتهاد والأحاديث.

في الرسم
بعيداً عن فن التصوير الفوتوغرافي، أثارت اللوحة الزيتية بعنوان Pasja أي «شغف» (2001) للفنانة البولونية دوروتا نييزنالسكا Dorota Nieznalska جدلاً واسعاً لدى المحاكم والكنيسة الكاثوليكية وكذلك الرأي العام البولوني. نييزنالسكا رسمت الصليب وفي مركزه عضو ذكري في وضع الارتخاء، وهو مصلوب بدل السيد المسيح. أرادت الفنانة التعبير عن المجتمع الذكوري، فأضافت إلى هذا العمل عملاً آخر عبارة عن فيديو قصير لرجل يمارس الرياضة في النادي. تم الادعاء على الفنانة لإهانتها الدين، فحكم عليها بأعمال اجتماعية لمدة ستة أشهر غير مدفوعة. لكنها قامت باستئناف الحكم. دعمها في ذلك العديد من الباحثين والنقاد، حتى صدر الحكم النهائي عام 2010 الذي حكم ببراءتها، إذ اعتبر القاضي أنه بالرغم من أن عملها الفني يجرح المشاعر الدينية، إلّا أنّها لم تتعمّد ذلك. إذن وإن شاء أن يبدو العمل مهيناً للدين، فإن الفنانة أرادت به موضوعاً إنسانياً اجتماعياً والمحكمة كان لها رأي مشابه.

في فنّ النحت
حتى فن النحت قد طال الرموز الدينية. نرى ذلك على سبيل المثال في العمل الفني la Nona Ora أي «السّاعة التّاسعة» للفنّان الإيطالي ماوريتسيو كاتيلان Mautizio Cattelan لسنة 1999 الذي جسّد البابا يوهانيس باول الثاني وهو مرتمٍ على الأرض، بعدما اخترق نيزك السطح وأرداه أرضاً. أما «الساعة التاسعة»، فترمز إلى الساعة التي توفي فيها المسيح على الصليب وهو يصرخ لربه: «لماذا تركتني وحيداً؟». عندما عُرض هذا العمل سنة 2001 في مدينة وارسو البولونية، قام اثنان من النواب في البرلمان ممن زاروا المعرض بإزاحة حجر النيزك عن جسد البابا وإعادة إيقافه مستقيماً. بعدها، طُردت مديرة المتحف من عملها لقبولها عرض هذا العمل. لم يدلِ الفنان بأيّ تصريح يشرح عمله، ولكن بعضهم اعتبر أن المقصود هو أنه حتى أقوى المراكز معرضة للموت أو السقوط، فيما اعتبره بعضهم الآخر نقداً للكنيسة الكاثوليكية بعد الفضائح الأخيرة.

في فن المسرح
في فن المسرح، يعتبر «عربدة-غموض-مسرح» Orgien-Mysterien-Theater للفنان النّمساوي هيرمان نيتشْ Hermann Nitsch الحائز جوائز عديدة، الذي طوّره عام 1959 وأراد من خلاله مزج الفن بالحياة الواقعية كما عبّر حينها، من أشهر الأعمال المستفِزّة على السّاحة الفنيّة. في عمله هذا، يستخدم فن المسرح كوسيلة سردْ ترتكز إلى الدراما البدائية التي تصوّر برأيه الكوارث والنزاعات الواردة في الأساطير من خلال الجسد ومواد مختلفة أخرى. يظهر فنّه دامياً يغلب عليه طابع الذّبح والقتل والموت. فهو يعتبر أنّ الكلام على خشبة المسرح لا يكفي للتعبير بطريقة مكثفة عن الانفعالات والحالات العاطفية. لذلك يجب الاستزادة بمواد أخرى كالدم واللحم والنبيذ، وأيضاً الحليب والخل، والصراخ والضجة العالية... هذه المواد كفيلة بتحرير الحواس. في أسلوبه، يرى نيتش الواقع بسلبيّاته، بإيجابيّاته وسوداويته، ليتبلور الفن من خلال ذلك بشموليّة مسرحيّة درامية عُنفية صادمة.

في فن السينما
بالإضافة إلى فن التصوير والرسم والنحت والمسرح، نال فن السينما أيضاً نصيبه في الالتفات إلى الدين المسيحي أو يسوع المسيح بطريقة تجديفية وهزلية. على سبيل المثال، يستوقفنا فيلم «حياة براين» Das Leben des Brian الذي أُنتج سنة 1979 ويستعرض حياة الفتى براين منذُ ولادته حتى صلبه، بطريقة هزلية كوميدية. هذا الفيلم مُنع عرضه في النّروج وإيطاليا وإيرلندا لاعتباره يتضمّن تجديفاً وإساءة للدين. أمّا في الوقت الحالي، فيُعرض الفيلم منتصف ليل عيد الفصح على قنوات الـ ARD. يبدأ المشهد الأوّل بولادة الطفل براين في الحظيرة بمحاذاة حظيرة أخرى يولد فيها للتو السيّد المسيح، ثم نرى الملوك الثلاثة الذين أخطأوا العنوان يباركون ولادته بوجود الأم ـــ ويلعب دورها رجل ـــ وهي تظهر كامرأة افتقدت لكل أنوثة تتعامل مع الجميع بأسلوبٍ عنيف وتُهدي الجنس إلى جنود الرومان. براين الثائر اليهودي ضد الرومان الذي يكتشف في ما بعد أنّه أيضاً وليدُ علاقة عابرة لأمه مع جندي روماني، سيصبح بالمصادفة وبأسلوب لا يخلو من السخرية، في عمر الـ 33 الحكيم المختار وابن الله الذي سيتبعه جمع كبير من الشعب، غصباً عن إرادته ورغم رفضه ذلك. تنتهي قصة براين بالصلب مع آخرين وهو المشهد الأخير. في هذا المشهد، لا نرى أيّ عنصر من عناصر العنف كالدم أو التعذيب أو الوجع، بل على العكس ربما ضحك واستهزاء، يتبلور بمجيء الأصدقاء والأم والحبيبة وهي شريكة الفراش والثورة «يودت» تباعاً لوداعه، من دون محاولة إنقاذه بالرغم من عدم وجود أي من الحرّاس الرومان. ينتهي المشهد الأخير بأغنية ينشدها جميع المعلَّقين على الصليب يرافقون لحنها بالصفير من دون أن يدري المشاهد ما ستؤول إليه الأمور بعد ذلك.
أما الفيلم الألماني الذي سيُعرض قريباً في السينما الألمانية وهو بعنوان: «يمكنك أن تكون دنيئاً يا الله» Gott, du kannst ein Arsh sein، فهو يستعرض حياة فتاة شابّة تصاب بالسرطان، فتعيش مأساة اتخاذ قرار العلاج وفي الوقت نفسه قرار الاستمتاع وحبّ الحياة. وإن شاء أن يكون العنوان صادماً وجارحاً وكذلك المضمون الذي ينتقد الإله «المعدوم الرأفة» الذي يستطيع أن يختطف أرواح البشر، إلّا أنّ النّقاد لم يضعوه حتى الآن تحت خانة التجديف. إذ اعتبروا أن الرواية لا تعكس شكل العنوان الصادم. هذا النص هو التفاتة إلى اختلاف فهم الدين ورموزه باختلاف الأديان والسياسات الدولية، كذلك يلعب تطور النظريات العلمية والقوانين الوضعية دوراً مهمّاً في هذا الشأن. هذا الاختلاف في مستوى الارتباط أو التحرر من الدين، يعبّر عن ردات الفعل الفردية أو المجتمعية المختلفة عند أيّ نكسة عقائدية.
* باحثة فنية ـــ ألمانيا

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا