50 أجنبياً، و250 عربياً، و550 مصرياً، كل هؤلاء سيحتشدون في أرض المعارض في مدينة نصر، لتقديم منتجهم الكتابي أمام زوار «معرض القاهرة للكتاب». مع الأخذ في الاعتبار الكليشيه التاريخي «القاهرة تؤلف. بيروت تطبع. بغداد تقرأ»، استصرحنا مجموعة من الروائيين المصريين، حول وضع القاهرة كسوق للنشر مقارنة بباقي العواصم العربية: هل ما زالت القاهرة عاصمة الكتاب العربي رغم كل المشكلات التي نعرفها من عقبات وتحديات رقابية وردة دينية وفوضى الوطن العربي كله؟
الإجابات جاءت متباينة، إلا أنها أجمعت على حدوث حراك كبير في سوق النشر العربي خارج مصر، أو على الأقل تراجع ما في السوق المصري. هذا ما يؤكده الروائي الشاب محمد ربيع الذي وصلت روايته «عطارد» (دار التنوير اللبنانية) إلى القائمة الطويلة لجائزة «بوكر» العربية بدورتها الحالية. يقول ربيع: «ما يصلني من معلومات، فإن الرياض هي عاصمة الكتاب العربي من ناحية المقروئية، فالإنتاج هناك غزير جداً، لكن لا أعلم مدى جودة الكتب الصادرة. أما لجهة الإنتاج الجيد، فإن بيروت هي العاصمة العربي الأولى بلا منازع». ويتابع: «طبعاً المشاكل التي أشرت إليها في سؤالك رئيسية في تأخر القاهرة، إلى جانب عدم اهتمام الدولة بمسألة قرصنة الكتب، والوضع المادي الخانق الذي يعيشه أغلب المصريين». ويختم: «سبب أخير لا يتنبّه له المختصون يتمثل في أن أغلب جيل الشباب القادر على شراء الكتب، تلقى تعليمه في مدارس أجنبية في مصر، وبالتالي، فإنه يقرأ بالإنكليزية التي يتقنها أفضل من العربية».
الروائي إبراهيم فرغلي، اختار هو أيضاً نشر روايته «معبد أنامل الحرير» (واردة أيضاً في «بوكر») لدى «منشورات الاختلاف» الجزائرية. تتمتع الأخيرة بشبكة شراكات مع ناشرين عرب يتوزعون على خريطة العالم العربي، ما يسهّل حركة تنقل الكتاب بالنسبة إليها. يقول فرغلي: «المؤكد أن مصر تواجه ظروفاً بالغة الصعوبة، ومع ذلك تقوم الدولة بمجهود لافت في النشر النوعي والكمي من خلال إصدارات «مكتبة الأسرة» التي توفر الكتب بأسعار زهيدة في فروع المعرفة والآداب والفنون كافة، إضافة إلى كتب الأطفال. هناك سلاسل متخصصة في نشر أعمال أهم كتاب العالم مثل «سلسلة الجوائز»، وسلاسل لنشر أعمال الكتّاب العرب. كما يوفر «المجلس الأعلى للثقافة» عبر مشروع الترجمة عدداً كبيراً من أهم ما يصدر في العالم في الأدب والفكر والفلسفة والعلوم، بشكل ربما لا يوجد في أي بلد عربي آخر». ينتقل فرغلي إلى جوهر المشكلة التي هي برأيه «النشر الخاص في مصر لأنه في إطار التنافس والرغبة في تحقيق الأرباح، يركز النشر الخاص إما على الرواية أو على الكتب التجارية الخفيفة. مع ذلك، هناك استثناءات، فبعض الدور الخاصة تدخل مجال الترجمة باختيارات لافتة، وبعضها يدقق في اختياراته. لكن تظل أزمة النشر المصري الخاص في إيجاد حلول لانتشار الكتب خارج مصر في المكتبات العربية. عانت مصر طويلاً من قلة منافذ بيع الكتب. الآن هناك منافذ عدة في القاهرة والمدن آخذة في الانتشار، وهو مؤشر لافت على زيادة الاهتمام بالقراءة، وتلعب الوسائط الاجتماعية دوراً كبيراً في الترويج للكتب. أظن أن السنوات المقبلة، ستستعيد مصر دورها كأهم ناشر في المنطقة بسبب الظروف نفسها التي تبدو اليوم كمشكلات وعوائق». أما الروائية منصورة عز الدين، فتجادل في جدلية المركز والهامش، وتقول: «أعتقد أن النشر العربي تجاوز ثنائية المركز والأطراف منذ سنوات. هناك الآن أكثر من مركز للنشر، يتميز كل منها بخصائص وسمات. بالنسبة إلى مصر، هناك سلبيات كثيرة تخص شكل الكتاب ومستوى إخراجه الفني وسلامة اللغة، إذ تخلو الدور المصرية من المدققين اللغويين الأكفاء. لكن تبقى مصر أحد مراكز صناعة الكتاب الأساسية في العالم العربي. مركز يتميز عن غيره بدرجة أعلى من التكامل. مثلاً هناك قاعدة قراء كبيرة في مصر، وهذه نقطة مهمة تفتقدها مراكز نشر عربية أخرى.

التكامل وسم سوق النشر المصري مع درجة عالية من الاكتفاء الذاتي
وهناك مكتبات عديدة على النمط الحديث أضافت الكثير لصناعة الكتاب المصرية. كما تتسم مصر بتنوع اتجاهات كُتَّابها دون خضوع لتراتبية جيلية خانقة. اقتران هذه العوامل معاً مثّل نقطة قوة. وهناك دول عربية لديها قطاع نشر قوي وكتاب مميزون، لكنها تفتقر إلى قاعدة قراء كبيرة وبالتالي تعتمد دورها على تسويق عناوينها في الخارج. وقد تزدهر الكتابة في بلد ما وتنتشر فيه عادة القراءة، لكنه لا يملك دوراً جيدة. التكامل المشار إليه سابقاً وسم سوق النشر المصري بدرجة عالية من الاكتفاء الذاتي. يمكن للناشر المصري أن يوزع طبعات عديدة في مصر وحدها دون الحاجة إلى تصدير عناوينه إلى الخارج. أضع هذا في خانة الإيجابيات رغم أن له جانباً سلبياً يتمثل في الانغلاق على الذات والركون إلى المحلية بما يترتب عليها من عدم اهتمام محتمل بالشكل ومستوى الإخراج الفني بدرجة قد تقلل من قدرة الكتاب المصري - لناحية الإخراج الفني والتصميم - على التنافس. يترتب على الاكتفاء الذاتي أيضاً أن كثيراً من الكتب المصرية لا تُقرَأ على نطاق واسع عربياً، مع استثناء الكتب الصادرة عن دور نشر حريصة على المنافسة خارج مصر، أو تلك التي تفوز بجوائز بارزة أو تتحول ظاهرة نشرية عبر عدد كبير من الطبعات».
القاص والروائي والشاعر ياسر عبد اللطيف يختلف على فكرة «عاصمة الكتاب العربي» نفسها. يقول الكاتب المصري المقيم في كندا: "لا أعتقد أن هناك بالفعل ما يسمى بعاصمة للكتاب العربي، لا القاهرة ولا بيروت ولا بغداد. أولاً هناك صعوبة شديدة في تنقل الكتب العربية بين الأقطار. أنت تجد الكتب اللبنانية في مصر لدى مكتبتين فقط. وأظن الوضع في بيروت مماثلاً وربما أصعب بالنسبة للكتب المصرية. وثمة قيود جمركية قاسية وصارمة لدى البلدان تحد من تحرك الكتب بحرية بين العواصم. نعم هناك حركتان كبيرتان للنشر في مصر ولبنان وحركة أصغر في الخليج والمغرب العربي، فيما تعاني كتب العراق مثلاً من عزلة غريبة. يمكننا أن نتكلم في هذا السياق عن أن السوق المصرية أكثر اتساعاً من غيرها بحكم الديموغرافيا على الأقل. كما هناك اكتفاء ذاتي في السوق المصرية، وتبدو أحلام «الكتاب العربي» المتداول إقليمياً شبيهة بالكلام عن وحدة عربية على غرار أحلام الماضي».
ورغم أن الآراء السابقة تبدو متباينة نسبياً، إلا أنها في غالبيتها تجمع على أن وضع النشر في القاهرة ليس على ما يرام، أو على الأقل لم يعد كما كان عليه قبل عقود. الروائي المخضرم مكاوي سعيد، يحمل وجهة نظر متباينة. يؤمن أن القاهرة ما زالت تحتفظ بريادتها في هذا الميدان، يقول صاحب «تغريدة البجعة»: «المنافسات الإقليمية تكاد تنعدم بعد الذي حدث للمنطقة في الآونة الأخيرة نتاج التدخل الغربي السري والعلني والمستتر أحياناً والمتدثر بعض الوقت بطلب من الأقليات المتنازعة في بعض الدول. لهذه الأسباب نتائج مباشرة على الثقافة وتداول الكتب. لذا بعد إلغاء معرض الكتاب في تونس وسوريا وتقلص المشاركين في تونس والمغرب وما تلاقيه الكتب المشاركة في السعودية والكويت من منع وإعدام أحياناً في تلك المعارض، وما يحدث أخيراً من معارض كانت تتعامل بأريحية مع الكتب التي تشارك في معارضها ثم تحولت واتبعت أكثر النظم تعنتاً مع الكتب وأصبحت تفرض القيود ليس في ما يخص دخول معارضها فقط في ذلك الزمن الضيق، إنما بالغت وأصبحت لا تدخل الكتاب العربي إلا بعد ما يسمى «الفسح» وهو قراءة كل سطر في الكتاب عبر جهاز رقابتها ثم إصدار الأمر بقبوله... لكل هذه الأسباب ورغم تردي وضع معرض القاهرة وبعض القيود التي تفرض على دخول بعض الكتب وبعض الملاحقات الأمنية الساذجة لبعض الكتب، يظل المعرض من أهم معارض الكتاب فى الشرق الأوسط».