مجموعته الشعرية الجديدة «أخضر في سهول الجراد» (إصدار خاص ـ 2015) التي أبدعتْ غلافَها الفنّانة ريتا معماري هي الخامسة، سبقتها أربع مجموعات حظيت بقبول النقاد هي: «خيط بياض» (دار المسار ـ بيروت 1999)، و«حين سرب فراشات اصطدم بزجاج النافذة» (دار النهار ـ بيروت 2004)، و«يساورني شكّ أنّهم ماتوا عطاشى» (شركة المطبوعات ـ 2008)، و«محرمة الساحر المطويّة» (دار النهضة العربيّة ـ 2011). وكما في المجموعات السابقة، ها هو الشاعر غسّان علم الدين يتماهى أيضاً في المجموعة الجديدة مع المدينة والعصر بكلّ أبعادهما وتعقيداتهما وانفراجاتهما وتقدّمهما وقسوتهما وانغلاقهما، وإن كانت مساحاتُ الخطر هي الأكثر شساعة، ومعها مساحاتُ الألم، حيث «الصديق المتكوّم/ في البلاد البعيدة/ مع الوحدة»، وحيث «ولا الذين كانوا جالسين في الدكّان حييتَهم ردّوا التحيّة».
بهذا المعنى، فالقول عند الشاعر مجروح بالانكسار الذي يطال حياة كاملة رضّتها القسوة وخنقتها المدينة الشرقيّة العربيّة اللبنانيّة القاصرة دون الأوكسجين ودون الإنساني الحقّ، كأن يقول في قصيدة «في امتداد النفق»: «.. في هذه المدن/ التي تسرق الابتسامات/ تزرع شوارعَ الخوف/ بالذين وقعوا وحيدين». وهو يصطدم بالواقع الذي لا يترك له فورانه وهيجانه وعنفه منحى واحداً، نراه كثيراً رابط الجأش، كاظماً التوهان والوجع معاً، وناظراً بعيداً في الإنسانيّة. يقول: «كانوا يمشون بخطوات ثابتة/ بأنفاس زخمها يغيّر مسار سفينة/ الآن بأنفاس لا تقدر/ على تحريك ورقة سيجارة». وأيضاً، يقول مستجلياً الحكمة والطريق: «كلّما انزرعتْ بقعة بور/ تبدو الأرض أقلّ غربة/ كلّما انحفرت بئر بماء فوّار/ تبدو القبور أقلّ رعباً وسواداً/ كلّما انعرف سبب/ تبدو السلاسل أخفّ وطأة». ويقول الانهيار الروحي وتراكم الحجارة والصخورَ المسنّنة «حيث الألسنة/ أكثر تقطيعاً/ من مفرمة».

القول عنده مجروح بالانكسار الذي يطال حياة كاملة

لكن ما قد يبدو جليّاً للشاعر في «أخضر في سهول الجراد» التي كُتِبت بين 2004 و2005 وصدرت في 2015 أنّها لا تزال بحيويتها ذاتها، وآنيّتها ذاتها، ومستقبلها ذاته، وحضورها الدائم. قد ينتثر القول أيضاً، وحقّاً كثيراً ينتثر، في حيّز ملامح كالأرقام منثورة في لوح الفضاء العاصف. وعين ما يخلص إليه شاعر وناقد، أنّ الشِعر في تحريره، يخلص إليه علم الدين بالحرفة والدراية والحكمة والشعرية الذكية العالية، بغير اعتبار أين الجهة بعد. يقول: «كأن تعود وترى الطبول/ المنقولة على ظهر الحمار/ تقرع كما قديماً في الجنازات/ يتوافد المعزّون والأسوَدُ المتدلّي/ الذي كنّا نتخيّله العصاة/ التي بها تُضرب الطبول/ ونضحك/ كان ذكَرَ الحمار!». أوّلاً يعكس اللاجهة والجنازات ذكَرُ حمار. وثانياً، ومع تأويل "العصا" أو "العصاة" إلى أولئك "القُسَاة" الذين يبيدون كلّ شيء، ويجعلون المواطن بلا وطن، ويجعلون الوطن مهبَّ يباب، فالشاعر علم الدين يصيب الجهة التي فوق في الصميم، ويكبّها كالصنم على وجهها، حين عنده القاسي ذاته، وبالسخرية كلّ السخرية، ذكَر الحمار. وهذا رغم إعلانه الصريح والعالي والجارح أن «الحمار الكائن الوحيد/ الذي بقيتُ سنوات/ ألحُّ على أبي/ لاقتنائه».
وحيث لا قطرة عشب عند شساعة مجرى الرمل، ليس بعدُ سوى الغضب، سوى قطرة الضوء الوحيدة في الظلمة، ليس سوى الغضب الخلاّق الذي هو الثقب الوحيد في أربعة جدران السجن الصخري الأصمّ، وليس سوى بالغضب ـ المشكاة تكون في سهوب الجراد الرجل الأخضر. يقول الشاعر حكمتَه الأبعد والأبعد: «اغضبْ/ وأنت وحدك الأخضر/ في سهول الجراد». ولو ذاته الشاعر جرحُه بليغ من شظايا اصطدام الأخضر والجراد، قائلاً: «كم كانت موحشة الطرقات التي اجتزتَها/ الأحاديث كم كانت مملّة/ النكات كم كانت مخادعة/ ثقيلة/ مع أنّكَ كنت تضحك/ وترمى لقطط وكلاب تتبعك/ أشهى الأضلاع/ وأحنّ الكلمات والإيماءات".
في حياة صعبة، وبقلبٍ قويّ، يقف الشاعر غسّان علم الدين معتصماً بابنته الصغيرة سارة التي "إليها طبعاً" يهدي المجموعة، ومعتصماً بالأب الذي ــ عند قطرة حياته الأخيرة ــ تحوّم حوله فراشةُ ممرّضةٍ ملائكيّة، ومعتصماً بالأخ الأكبر أحمد، الذي مضى إلى العالم الآخر ودليله على عبوره البعيد شهقات العطر والحبّ. بلغ غسّان علم الدين أقصى النضج حين تقلّب في عين الجنون مع "عصارة أرواح الذين ابيضّ شعرهم" وعندما "عيناه اللتان مثل سرادق عزاء متنقّل" ولمّا ابتدأ مجموعة "أخضر في سهول الجراد" التي تتّهم وتدين. قال: "فقط وقفَ/ وحدّقَ ورأى/ وأنصتَ/ ودقَّ".