لم يُطل ميلود يبرير، لعبة اقتسام السّرد بين أكثر من راوٍ في روايته الأولى «جنوب الملح» («دار البرزج» و«دار الجديد»). سرعان ما سلمت «حكمه» دفّة السرد إلى والدها، بعدما كتبت إليه رسالة شوق موجزة، موضحة للقارئ أنّ ما سيلي هو مذكّرات والدها مصباح، المصوّر الفوتوغرافي، المتوفى. بعد ذلك، سيكون القارئ على تماس مباشر مع بطل الرواية، مصباح، الذي يسرد سيرته معفاة من التسلسل الزمني، متخذاً من غرفة المستشفى حيث يعالج من الورم الخبيث، مكاناً ملائماً لهذيانٍ يعيد سرد حياة تمتدّ إلى ثلاثة أجيال. وإذا كان مصباح، المولود يوم وفاة هواري بومدين، الرئيس الثاني للجزائر بعد الاستقلال، قد عايش أفول اليسار، وبدايات المدّ الأصولي، الذي سبق الحرب الأهلية، المعروفة جزائرياً بالعشريّة السوداء، فإنّ آثار اليسار تبدو واضحة على المصوّر الذي ورث حبّه لهذا الفن عن خاله قويدر. وكان هذا الأخير قد رفض إغلاق استديو التصوير الخاص به، رغم رسائل التهديد التي كانت تصله من الجماعات الإسلاميّة المسلحة. مصباح نموذج عن جيل ولد وعايش تغيرات كبرى.

لغة سردية رشيقة وبعيدة عن التكلّف اللغوي
وإذا كان تأثير الأب، اليساري، حاضراً في تكوينه، هو الذي قال له مع اندلاع الأحداث الدموية: «كنت أحسّ أنّ هذا سيحصل يوماً ما، منذ بدأت المصانع تغلق، والمساجد والسجون تكتظ»، إلّا أنّ الكاتب اختار أن يبقي بطله خارج الايديولوجيا، تعبيراً عن ضياع جيل كامل، يجهد لقراءة الواقع، واختيار انتمائه في لحظات فارقة من التاريخ، حيث صراع الأيديولوجيات على أشدّه، وفي أكثر مراحله دمويّة. غير أنّ ذلك كلّه لم يمنع مصباح أن يرى الجمال في كلّ ما هو يسار، مشيراً إلى ذلك لحظة اكتشافه جسد المرأة، مع جهيدة التي تحتوي خزانتها على كتب كارل ماركس ونوال السعداوي، متسائلاً بعفوية أمام اختيارها الغرفة البسيطة إلى اليسار «لماذا كلّ الأشياء الجميلة ترتبط باليسار؟». كأنّ الكاتب بذلك يؤدّي بعضاً من العرفان لزمنٍ ماضٍ كان فيه لليسار دور بارز في تشكيل الوعي الثقافي والاجتماعي لدى أبناء ذلك الزمن.
يتنقّل مصباح في سرد مذكراته بطريقة التداعي، محاولاً الإحاطة بكلّ الجوانب الاجتماعية والثقافية والسياسية التي عاشتها الجزائر، انطلاقاً من مدينته، الجلفة، في محاولة لفهم وتفسير الأوضاع التي آلت إليها. ومن هنا كان لا بدّ من أنّ يطلّ المجنون عبد اللطيف، بين الحين والآخر ليقول الأشياء بطريقته البليغة الموجزة، فهو من كان يردّد «الموتى لا يعودون، والأحياء لا يعرفون إلا موعداً واحداً. حظر التجوّل». سيخلّف عبد اللطيف أيضاً، في كلّ عبور له، الكثير من الأسئلة لدى مصباح، الذي يعمل على تجميع صور توثّق آثار التعذيب، انطلاقاً من ندوب على جسد جهيدة لا يعرف كنهها. وأمام هول ما يشهده، سيكون مبرراً تفكيره بالتدرّب على العمى، كأنه بذلك يحاول أن يرى في الظلمة ما يمنعه الضوء من رؤيته، تماماً مثلما تقول الموسيقى في لحظات صمتها ما لم تقله النوتات المعزوفة.
رغم محاولة يبرير الخروج عن النمط الكلاسيكي للسرد الروائي، إلّا أنّه منذ اللحظات الأولى غرق في كلاسيكية البناء الروائي، معتمداً ثيمات روائية مألوفة بكثرة، وسبق أن كرّست في معظم الأعمال المكتوبة بجنوح فكري نحو اليسار. هكذا، جاءت الرواية نموذجاً مكتملاً عمّا يمكن تسميته «روايات الجوائز»، ما يفسّر أنها كانت واحدة من الروايات الفائزة بجائزة «الشارقة للإبداع العربي» لتصدر في طبعة محدودة، قبل أن تعيد «دار البرزخ» طباعتها مجدداً. لا يمكن لقارئ «جنوب الملح» ألّا تحيله شخوصها على شخصيّات روائية عايشها في الكثير من الروايات العربية، فجهيدة، عبد اللطيف، الخال قويدر، الأب، وحتى الزوجة مريم، كلّها شخصيات مولودة من رحم شخصيّات روائية كان لها الأثر الكبير في تشكيل وعي أبناء الجيل الذي ينتمي إليه الروائي، ما يجعل «جنوب الملح» بلغتها السردية الرشيقة، البعيدة عن التكلّف اللغوي، رواية الأحداث المتوقعة. الشخصيات المختارة راسخة في ذاكرة القارئ العربي، بطريقة نشأتها، وسيرورتها، وصولاً إلى نهاياتها التي لم تحمل أيّ جديد، رغم محاولة الكاتب تأجيل عنصر المفاجأة إلى النهايات، كما في حالة لطفي، والندوب على جسد جهيدة. وإذا كانت فكرة التدرّب على العمى تبدو خارجة عن ذلك السياق، فإنّ حصرها في الإطار التي أوردها فيه الكاتب جعلتها كومضة انطفأت قبل أن يُلحظ نورها، ليأتي وقعها في سياق السرد أشبه بتأثير وميض «فلاش» الكاميرا الفوتوغرافية على عين الناظر إليها. وإن كانت الرواية قد تمتّعت ببناء محكم في متنها، باستثناء الهنات التي أوقعها فيه الحوار الذي جاءت سويّته أقلّ شأناً من السرد، فإنّها عانت من ترهّل واضح في مدخلها، لم ينجدها منه محاولة الكاتب إيجاد صوت مختلّف يسلّم السرد لراوٍ آخر. هكذا عاد الترهل ليتضح في نهاية الرواية، بخاصّة حين تغدو مريم عنصراً رئيساً من الحدث، كأنّ الراوي قد أصابه إعياء بطله في لحظاته الأخيرة، وهو يحلم بشيخوخته متأسّفاً على حكايات كثيرة لم يسعه سردها في مذكراته.