«حاصَرُوا البركةَ حصارَ الدائرة/ تراكموا حاجبين عنها الشمس/ زفرتْ آخِرَ أنفاسَها/ أسنَتْ/ جلبوا الحجارة/ وهي في مكانِها/ أغلقوا عليها». كثيرة هي المقاطع التي ينساب فيها الشعر رقيقاً ووديعاً رغم العنوان الذي يوحي بالقسوة في مجموعة «رأس الدم» (دار الشنفرى التونسية) للشاعر اللبناني المقيم في أستراليا شوقي مسلماني. علماً أنّه كتابه الثالث الذي يصدر في تونس بَعْدَ «عندما ينظر الله في المرآة» (مختارات من الشعر الأسترالي تَرجمها مسلماني إلى العربية)، و«لا فراشة لإنعاش الطقس» (صادر سنة ٢٠١٨ عن «دار ديار» للنشر والتوزيع)، وهو مجلّد ضمّنه الشاعر مجموعاته الخمس التي رافقته بين الوطن الأم والمهجر. ثنائية الهجرة والحضور تحضر بكثرة في «رأس الدم»، بخاصة تلك الومضات بضمير الغائب التي يطعّمها الحنين إلى الأماكن والأزمنة الأولى: «أخيراً/ دخلوا إلى الحكاية/ التي لم تكن حكاية/ وقعوا في الأسر/ مع الصخورِ والسمّ». إنه حنين لا يلتزم بثنائية شرق/ غرب فقط، بل إنّ ضمير الغائب يمكن أن يتصل بسكان أستراليا الأصليين لتعميم الحنين والحضور والغياب كتجربة كونية كما في المقطع: «خرجوا في زمانِ الحلم/ مع الماءِ والشجرِ والزهور/ مع النمل/ الفراشاتِ/ العصافير/ نظروا إلى الرمل/ أَصغوا للنهر/ تحدّثوا مع الريح/ قمرٌ كبيرٌ/ قمرُ البلادِ الشاسعة/ أسماؤهم قوسُ قزح/ الرئةُ يوكولابتس/ خرجوا في زمانِ الحلم/ أبوريجنال أستراليا/ السكّانُ الأصليّون».



لا تلبث مساحة العاطفية والوجدانية أن تترك حيّزاً مهماً لنبرة تأملية عميقة تتكثف في قصائد صغيرة هي أقرب إلى شعر الومضة الذي يتخفّف من السرد ويكون الكلام الشعري فيه مسدداً كالقوس إلى الهدف كما في: «حقُّ الزهرة/ أن يطوفَ النحلُ حولها»، «ترتيبُ حياةٍ/ صناعةٌ عمياء»، «لكلِّ خسرانٍ/ ثمنٌ لا يحتملُ المراجعة». لكن فجأة يخرج القوس عن مدار الرمية، إذ يرمي الشاعر في وجوهنا حتى في قلب الومضة صورةً غير متوقّعة. وهذا الأمر ليس غريباً عن الشعر الذي من طبيعته المخاتلة والدهشة والإمساك بالسراب: «أيّها السادة/ لي فيكم بنفسج»، «دمٌ كثير/ يُسفك تحت الشمس/ من أجلِ حيّز ثلج»، لنصل أحياناً إلى صورة مربكة في غرابتها: «أسمعُ نبضَ الصخورِ الصمّاء/ الرجلُ الشجاع/ امرأةٌ شجاعة»، «جرادة بحجمِ إنسانٍ بالغ/ تقف مستقيمة على ساقين»، «صديقي التائه/ في أيّ طابق/ هي نافورةُ السمّ؟».
لا يلبث شوقي مسلماني أن ينوّع في مروحة الثيمات في «رأس الدم»، فيغادر منطقة التأمل إلى مساحة أخرى تقال فيها الأشياء بلغة تقريرية مباشرة قد تخفف من منسوب الشعرية قليلاً وتذكّرنا بنبرة الشعر الثوري عند شعراء النضال، فابن بلدة كونين الجنوبية والمنخرط في الشأن العام، المتصل بالقضايا العربية في أستراليا يستحضر فلسطين البعيدة في المسافة ولكن القريبة من القلب والعقل والجغرافيا الجنوبية. فلسطين التي ربما هي «رأس الدم» العربي الذي دوّخته الضربات والهزائم لينتعش مجدداً كلما انتصر على السيف في الجنوب اللبناني وفي غزة «حيث يمزّقهم مصّاصُ الدماء/ لكنّهم يغرزون أظافرَهم بوجهه» على مساحة جغرافيا الدم العربي الذي يمتزج في وجه الجلّاد: «في العَقدِ الأوّل/ من القرنِ الحادي والعشرين/ رجعوا إلى سيرتهم في جنوبِ لبنان ـ 2006/ وبعد أقلّ من سنتين/ رجعوا إلى سيرتهم في غزّة ـ/ إنّهم يقتلون أهلك/ يفلّتون عليهم الوحوش/ وهو في الغضبِ الأكثر/ يُفكِّر إذا سرٌّ يستترُ/ خلف احتفاءِ البعض بأعيادِ الميلادِ/ ورأسِ السنة/ بالزينةِ والمفرقعات/ التي تفتن الجميع/ خصوصاً الأطفال/ واحتفاءِ البعض بإعلانِ الحربِ على غزّة؟/ كميّاتُ الرصاص المصبوبِ على غزّة/ لا تقلّ ولا تزيد/ إنّها بكميّة النازيّة/ في النازيّين الجدد». يستحضر في مقطع آخر رموز الكفاح الفلسطيني: «كلُّ جورج حبش/ كلُّ أبو علي مصطفى/ كلُّ غسّان كنفاني/ كلُّ محمود درويش/ فدوى طوقان/ ليلى خالد/ سميح القاسم،/ ادوارد سعيد/ إميل حبيبي/ ناجي العلي/ كلُّ أمّ فلسطينيّة/ «غيفارا» غزّة/ الكلّ/ كلّ أبطال غزّة/ أبطال فلسطين/وتنزف غزّة؟». ولا يفوت مسلماني في القصائد المطعّمة بالسياسة أن يوجه تحية للأرض الجنوبية التي سطّرت في الحرب الأخيرة ملحمة كربلائية يصفها بما يلي: «الشمسُ/ لا تشرِقُ من جهةٍ واحدة/ تشرِقُ/ وفي الآن ذاته/ من جهةِ الجنوب/ بكلِّ أهلهِ الذين أبدعوا «تمّوز»/ السلامُ عليك يا ابن الأرضِ/... الشمسُ لا تشرِقُ من جهةٍ واحدة/ تشرِق/ وفي الآن ذاته/ من جهةِ الجنوب/ بكلِّ أهلِه الذين لوّنوا الأفق/ السلامُ على الأشجارِ المباركة/ جذورُها قويّة في الأرض مثلكم/ السلامُ على الطيورِ/ التي تتلمذتْ في الطيرانِ عليكم/ السلامُ على النسائم التي على رِقّتِكم/ السلامُ على القمر/ السلامُ على الظلالِ/ على الندى».
قصائد صغيرة هي أقرب إلى شعر الومضة الذي يتخفّف من السرد


الثيمة الرابعة بعد الحنين والتأمل الشخصي والسياسة في مجموعة شوقي مسلماني هي التأمل العلمي في الكون والكائنات، وضخّ هذه التأملات حول نشوء الكون والتطور والمجرات في قالب شعري مثل: «مجرّةُ درب اللبّان /كانت هي الكون كلّه/ فيما حقّاً هي واحدة/ من 200 بليون مجرّة/ لم يدركْ ذلك مونوسوبيان/ إنسانُنا الأفريقيّ الأوّل/ نحن ندرك/ نحن الذين ندرك/ أنّ المجرّات كلّها/ ومعاً عمارةٌ طبعُها/ أن لا تستقرّ/ أو لم تُنجَز بعدُ». هذه اللغة العلمية «الخارجية» لا يلبث الشاعر أن يطعّمها بشعرية تجعلها تتسلل إلى «الداخل» وتشرك القارئ الذي ربما لا يستعذب اللغة العلمية بتجربة امتصاص الكون كاملاً لأن الشعر مشاركة و«مناولة» وأن نعيش مع الأشياء وفي قلبها لا في خارجها: «هذا الفضاء/ فوضى إلى أقصى نقطة/ تجعلني أجزم/أنّي لو لي يد/ لاقتربتُ على نحوٍ أرقّ/ أشفّ». كما لا تخلو مجموعة مسلماني من حيرة الإنسان المتأرجحة بين الدين والعلم والأساطير في مقاربة الكون، والحيرة هي الدم اللازم لكل رأس «معرفي» أو قلب «شعري»: «والتحقَ بسفينةٍ/ حتى غدا ربّاناً/ خبيراً بدرجاتِ الشمس/ واسعَ الدرايةِ بمواقعِ النجوم/ عارفاً بأحوالِ الرياحِ والأنواء/ عليماً بمعالمِ اللجج/ ومواضعِ الشطوطِ والصخور/ ورأى كروعَ كرمةٍ ضخمة/ تنمو وتعرّشُ فوق سفينته العالية/ عساليجُها تعلقُ بالقلوعِ وبالمجاذيف/ تلتفُّ أظافيرُها حولَ الحبال/ ألقى نفسَه في البحر/ الذي كان يفور ويثور/وتلاعبتْ به أمواجُه». «رأس الدم» يضجّ بالأسئلة المقلقة حول الكون نسمع: «هذه الأسئلة لها ظلّ/ ولكن أين هو المُحفِّز؟/ احتمالاتُ الصدفة/ لئلاّ يكون الملل أكثر/ العزلةُ موتٌ آخر.../ خرافةٌ بالعين المجرّدة/ عينُ الحكمةِ/ إدارةُ هذا العبث».

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا