تتأمل المخرجة والروائية السورية واحة الراهب الواقع من زاوية المرأة، وما يحدث داخل عالمها عندما تُنتهك من قبل رجال الأمن والمجتمع والدين والعائلة. في روايتها الثالثة «حاجز لكفن» (نوفل)، تروي الكاتبة حياة معتقلة أُوقفت عند الحاجز في طريقها إلى مدينة درعا لاشتباه في أن تكون هي صاحبة الحقيبة التي تحمل مواد إغاثية لـ «الثوار». هنا نقع على سردية تطمح أن تشرح جسد الظلم وفهم أبعاده وأمكنته المختلفة، فرجال الأمن يغتصبون صبا كما يفعل زوجها الذي تزوجته غصباً عنها. نشعر هنا أننا أمام مشهد يتكرّر في أكثر من مكان، فالاغتصاب هو ذاته في المنزل لكن تحت اسم آخر. تختار الروائية أن تكتب بعض الحوارات بين رجال الأمن وصبا باللغة المحكية وكذلك حديثها مع النساء ومع زوجها ربما لإعطاء السرد نكهته الحقيقية وإضفاء جو من الصدق كأننا في مشهد سينمائي يحاول أن يمسك التفاصيل الصغيرة ليشدنا إلى الواقع وكأنه يحاكيه.


يقول ألبيرتو مانغويل: «القصص جميعها هي تأويلاتنا للقصص، ليست ثمة قراءة بريئة». ومن هنا تبدو الرواية الواقعية جداً وكأنها تأويل لحكاية لا بد من أنها حدثت في الحقيقة ولكنها في الوقت نفسه تأويل للواقع ومحاولة لقراءته من خلال جسد المرأة المهانة والمنتهكة. ولذلك فهي تحاول أن تعطي لنفسها حرية أن تتحدث على لسان المرأة المغتصبة، وتستنطق عوالمها الداخلية، ولكن السؤال يبقى يلاحقنا حتى نهاية السرد، ألا تملك تلك المرأة خياراً؟
لا يبدو ذلك سهلاً في عالم روائي تستند حبكته إلى «البوح» والاعتراف بالأزمة والظلم وحقيقة أن الألم لا يستخف به، لذلك يتضح أن الأمر لا يتعلق بالمرأة نفسها، بل بمنظومة كاملة من التخلف. وهنا نرى أن الروائية تختار بساطة البوح كي تجعل تلك الضحية تسرد ألمها ليس أكثر، وعلى القارئ أن يحلل أن القمع محاط بها، لذلك لم ترسم لها طريقاً للنجاة كأن ذلك خيال بعيد رغم أنها تتمرد أكثر من مرة وترفض زوجها وتتركه وتحاول الانتحار والهرب منه.
تنحاز واحة الراهب إلى بساطة اللغة، وفي سرد يتكئ إلى الحدث الأساسي وهو الاعتقال، وسرد حياة صبا بين الفصول لننتهي أخيراً بالإفراج وإيجاد صاحبة الحقيبة الأساسية شذى التي تختلف عن صبا في أمور كثيرة، لكن يبدو أن مصيرهما واحد. وهنا تبدو لعبة الاختلاف محببة ـ فصبا محجّبة وشذا ليست محجبة كأنها إشارة إلى الاختلاف وأن رجل الأمن لا يحترم ذلك ولا المجتمع الذي يقيد الاثنتين. الحاجز هنا يبدو كأنه مجاز لمجتمع كامل، كلما مرت داخله فتاة، بدأ بممارسة وحشيته. وحين تخرج منه لا تنتهي الوحشية. ولذلك كان ظهور شذا ضرورياً كي نتخيل أن ليس مهماً اختلاف الشخصيات وقوتها، فالقمع واحد.
يتكئ السرد إلى حدث أساسي هو الاعتقال


تكتب واحة الراهب رواية كافكاوية، حتى لا نقول كابوسية، ولا بد هنا أن نتذكر رواية كافكا «في مستوطنة العقاب». رغم الاختلاف الكبير بين الروايتين، الا أن هناك سمات مشتركة، فرواية كافكا التي تجري أحداثها في منطقة قاحلة، تصور الاستبداد كآلة تسحق الإنسان. العقاب الذي يصوّره كافكا، ينفذ من خلال آلة جهنمية، خطط لصنعها عقل جهنمي بما أبدع من إجرام يسلب المحكوم حياته بطريقة فنية محكمة، لم تتخل عن الدقة في استنزاف الحياة. وهنا في «حاجز لكفن»، تبدو هذه الآلة أشبه بمجتمع كامل يمارس الاضطهاد ويعيد صناعة آلته بإتقان. لذلك نطرح ذلك السؤال الذي يلاحقنا ونحن نقرأ هذا العمل: لماذا دائماً نقترب من سؤال الواقعية بتصوير الواقع كما هو؟ ربما تجيبنا واحة في الرواية بأن الخيال هو أن تذهب بعيداً نحو تخيل شخصيات غير شخصيتها وعيش حيوات نساء أخرى، فلا تقع في سيرة ذاتية أو تسجيلية لتجعل القارئ يبحث عن أسئلة هذا الواقع بطريقة سلسة ومفهومة وقريبة منه. لذلك أتت الرواية مكثفة تسرد حياة امرأة لكنها تسرد في الوقت نفسه حياة وحقيقة وطن بكامله.
تخترع الروائية شخصية مقربة إلى الضحية وداعمة لها وهي أخوها فادي، وهنا تبدو أنها مخلصة لحقيقة أن هناك في الحياة مَن هو داعم للحرية، ولكنه في الوقت نفسه يتم اغتياله لأنه انضم إلى «الثورة». وهنا أيضاً نقع على إشكالية أن هناك اغتيالاً لفكرة الحرية ووجودها، وهذا يجعل فكرة النضال أيضاً فكرة مغتالة ويحاول قتلها.
رواية تنتقد الواقع، ولكنها تحاول أن لا تجيب عن أسئلته بل أن تضعها أمام القارئ الذي ستستفزّه بكل تأكيد مشاهد الألم والقهر والظلم وستجعله يقول: هذا هو الواقع، لكن ما هي الرؤية، وما هي الطريق؟ تجتهد واحة الراهب في لغة بسيطة في إلقاء الضوء على سر الألم وتجعل الضحية تسرده من وجهة نظرها.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا