محمد بنيس



لا يزال ذلك اليوم، الذي قررت فيه طبع ديواني الأول «ما قبل الكلام»، ينبض حتى الآن بحرارة جنون المغامرة. يونيو 1969. كانت نهاية سنتي الجامعية الأولى بكلية الآداب بفاس. كنت تسلمت، قبل شهر أو شهرين، المنحة الدراسية عن الأشهر الأولى من تعاقدي مع المدرسة العليا للأساتذة. وكان لي صديق مطبعي، أحمد الرايس، ابن المطبعجي (كما كان يسمي نفسه) وفنان الموسيقى الأندلسية، عبد الكريم الرايس. في نهاية الطالعة الصغرى، مباشرة قبل باب بوجلود، بالمدينة القديمة، توجد المطبعة. لم تكن أيُّ علامة فوق الباب. وفي أعلى الجدار داخلها، لوحة خطية مكتوب عليها «مطبعة النهضة». ما كنت نشرته من قصائدي حتى ذلك التاريخ كان قليلاً. كنت، منذ 1966، شرعت في كتابة شعرية محمومة، قصيدة تلو قصيدة. كانت حياتي تختصرها كلمة واحدة هي الشعر. آنذاك كنت متأثراً بعبارة، كان النقد العربي يرددها، هي «التجربة الشعرية». كنت متتبعاً لما تنشره «دار الآداب» في بيروت من دواوين، لأنها كانت تصل بانتظام إلى فاس، فيما كنت أقتنص كل ديوان عربي جديد يصل من بيروت، تحديداً. تلك مدرستي الشعرية العربية الأولى. بين حي الصوافين والطالعة الصغرى تتوزع المكتبات. زيارتي لها كانت شعيرة من شعائري اليومية، فيما كنت أشتري الكتب الفرنسية من مكتبات المدينة الجديدة، أو أطلع عليها في مكتبة البعثة الفرنسية. كانت اجتمعت لدي في دفتر، محفوظ بعناية في جارور المكتب، إحدى عشرة قصيدة. عندما كنت أقرأها كنت أحس أنها تمثل لحظة شعرية مستقلة، تمثل بداياتي الأولى، التي لا يمكن الاستمرار فيها. قصائد يسودها نفَسٌ سيّابيٌّ واضح، تجسّد ما كنت أعانيه من صراع بين الإدراك الرومانسي للعالم والرغبة في التعبير الموضوعي عن علاقتي بالآخر. هذا الإحساس هو الذي كان دفعني إلى أن أقترح على صديقي أحمد الرايس طبع ديوان. لكنه لم يسبق له أن طبع كتاباً. عمله في مطبعة أبيه كان يقتصر على البطاقات الشخصية ودعوات الحفلات والوثائق التجارية. نعم، كان قضى أشهراً يتدرب بـ «مطابع دار الكتاب» التي يعمل فيها عمه، محمد الرايس، بالدار البيضاء، وكان أخوه بفاس طبع ديوان شاعر قبلي، هو محمد بندفعة. ذلك ما كان يعرف.
حينما ألقيت عليه الاقتراح أجابني: «نعم، نطبع». من هنا بدأت المغامرة، في مدينة لم تتعود على طبع الكتب، بل لم يبادر شعراؤها بطبع دواوينهم. عدد الدواوين، التي كانت طبعت في المغرب حتى 1969، لم يكن يصل إلى العشرة. لم أكن أفكر في هذه التفاصيل إلا في مرحلة لاحقة. أما أنا، فقد كنت أعيش في فاس، ولكن وعيي الشعري كان يتعلق ببيروت وباريس.
شرعنا، أحمد وأنا، في طبع الديوان مع منتصف شهر يوليوز. كنا نعمل في الليل حتى الواحدة أو الثانية صباحاً، وفي النهار نخلد للنوم. نحضر إلى المطبعة قبل نهاية عملها اليومي، ننتظر حتى تتوقف آلة هايدلبرغ عن الحركة. ثم ندخل إلى محترف الطبع، خلف الواجهة الزجاجية. بناية قديمة تعود لقرون، ذات طابقين، سفلي وعلوي. في العلويّ منها أوراق ومطبوعات متراكمة، هي تاريخ المطبعة. كان أحمد يشتغل بطريقة التصفيف اليدوي للحروف المعدنية، يجمعها حرفاً حرفاً، وهي موزعة في علبة خشبية مقسمة حسب عدد الحروف وحركات الشكل والأدوات المساعدة. تصفيف كل صفحة، من الحجم الصغير، يحتاج إلى ما يقارب ساعة. لا نملُّ من جمع الحروف في سطر، وسطور كل صفحة في قالب، حتى تمتلئ مساحات الصفحات الأربعة، التي هي وجه الملزمة. طبعات تجريبية للتصحيح، تليها عملية السحب. أحياناً نضيف ملزمة ثانية. وها هي الليلة اكتملت. قضينا في الطبع مدة تقارب شهراً ونصف شهر. كان صديقي محمد العلمي ساعدنا على تصميم الكتاب، وصديقي الرسام أحمد العلوي رسم صورة الغلاف، وأختي وابنة عمي الصغيرتان كتبتا العناوين. صورة الغلاف بلون رصاصي، يد تخرج بتحد من التراب تسبقها يد أخرى، و«ما قبل الكلام» بخطي الذي يقلد خط طفلتين. لكل حركة رمزيتها.
تلك الليلات المتواصلة التي قضيناها، أحمد الرايس وأنا، في المطبعة، كانت لحظات تحقيق حلم جميل. طبع ديوان شاعر شاب في المغرب، لم يجد بعد مكانه في الساحة الشعرية المغربية. بل إن القصائد المعاصرة التي كان كتبها الشعراء المعروفون آنذاك، محمد السرغيني، أحمد المجاطي، محمد الخمار الكنوني، لم تكن تتجاوز أصابع اليد. الدواوين غير مفكر في طباعتها. الناشر في المغرب غير موجود. والأسئلة التي كان يمكن أن يطرحها شاعر ناضج (أو عاقل) من قبيل: لمن تطبع الديوان؟ هل سيلتفت إليه الشعراء والقراء؟ كيف سيستقبلونه؟ كل هذه لم أكن أبالي بها. أقدمت على تحقيق رغبة مجنونة، فقط. كنا نسافر، أحمد وأنا، باستمرار إلى الدار البيضاء أو الرباط لجلب الورق أو لصنع اللوحات المعدنية لعناوين القصائد أو الغلاف. نركب السيارة ونسافر. كل الأوقات محببة للسفر. المهم ألا نضيّع الوقت. نحن في عطلة الصيف، وهي الفرصة المناسبة، قبل استئناف الدروس في الجامعة. كما أنني لا أحبذ أن تطول مدة الطبع. هكذا كنت دائماً: عندما أقرر شيئاً أعمل على تنفيذه من دون تأخير. ربما لأنني كنت أحس بأن الوقت يجب أن أكرسه للشعر والدراسة الجامعية. لذلك، بمجرد ما انتهينا من طبع الديوان، في بداية سبتمبر، أتينا بصناديق مستعملة من الورق المقوى، وعبأناها بالنسخ. ربما كان مجموعها ثمانمئة نسخة. وفي فجر اليوم الموالي انطلقنا نحو الدار البيضاء. هناك سلمتُ الكتب للتوزيع. وعند العودة توقفنا بالخزانة العامة في الرباط، وسلمنا النسخ القانونية المطلوبة. كنت منضبطاً وملتزماً، في آن. وعند تصفية حسابات الطبع وجدت خصاصاً في القيمة المطلوبة، فبادر صديقي محمد بنطلحة بتسليفي مائتين وخمسين درهماً لإتمام ما بقي عليَّ أداؤه، ووعدته بأن أعيدها له، وذلك ما كان.
بعد التخلص من كل الأعمال، قضيت وقتاً في استرجاع ما قمت به وتأمله. هل كان طبع «ما قبل الكلام» فعلاً صائباً؟ ما القيمة الشعرية لقصائده؟ ألم يكن نشر الديوان تعبيراً عن وهْم من أوهام النبالة الأدبية؟ هل هو مجرد بحث عن التوازن في العلاقة المختلة مع المجتمع؟ بهذه الأسئلة وسواها انشغلت لفترة من الزمن، وأنا أحاول أن أفهم ما الذي أقدمتُ عليه.
في غمرة التأمل، أخذت أستوعب شيئاً فشيئاً هذا الفعل. ربما كانت قصائد «ما قبل الكلام» ليست، اليوم، ذات قيمة شعرية، لكني لم أندم على نشرها في ديوان، أصبح قريباً إلى نفسي، ولم أتخل عنه في «الأعمال الشعرية». لأن مغامرة طبعه علمتني قيمتين من قيم الحداثة، هما الحرية والمواجهة. تلك فضيلة الرومانسية التي دلتني على ذاتي الأولى، أخذت بيدي وأوصلتني إلى هاتين القيمَتيْن. أعود وأتذكر. كنت وحيداً، وكنت أشعر أن انتقالي إلى مرحلة مختلفة من كتابة القصيدة يتطلب تحرري من هذه المجموعة الأولى. ربما كنت بهذا أقبلت على المغامرة. أتذكر، أيضاً، فرح استقبال الديوان هنا وهناك. شعراء، الملحق الثقافي لجريدة «العلم»، رسالة من محمد عزيز الحبابي ومن الإسباني بيدرو مارتنيز مونتافيز. نعم، لا أندم على جنون المغامرة. ودرس الحرية والمواجهة هو الذي أصبح موجهاً لمستقبل حياتي الشعرية. إنه السرُّ، سرُّ ديواني الأول.