إضافة إلى المؤلف السابق عن اليهود العراقيين العرب، أو العرب اليهود العراقيين، مع أن الكاتب، الزميل كاظم حبيب، آثر أن يطلق عليهم صفة يهود العراق، يأتي هذا السفر الموسوعي ليثري المكتبة العربية بمرجع جديد عنهم.
الكاتب اختار للمؤلف عنواناً إضافياً دالاً يشي بحقيقة أن هجرة العرب اليهود في العراق إلى فلسطين المحتلة، بعد تمكن الحركة الصهيونية من تأسيس كيانها السياسي، ضمن مشروع سايكس-بيكو، الاستعماري، كان قسرياً، ويوضح في طيات المؤلف، كما فعل عباس شبلاق في مؤلفه الذي عرضناه هنا، أن هجرتهم إلى فلسطين كانت في حقيقتها تهجيراً قسرياً.
مؤلف كاظم حبيب هذا ليس معنياً بمسألة التهجير في المقام الأول، وإنما التركيز على الدور الذي مارسه يهود العراق العرب في مختلف مناحي حيوات المجتمع الذي بدأ في التطور على نحو مستقل إبان العهد العثماني المتأخر، ووصل إلى ذروته، ربما، إبان حكم الوالي العثماني الحداثي مدحت باشا الذي وحد شمالي العراق بجنوبه.

يركز على دورهم في مختلف مناحي حيوات المجتمع

المؤلف موسوعي ولا يمكن لعرض الإحاطة بكل دقائق محتواه، لكن الكاتب بدأ عمله المهم بمقدمة عن «بداية وجود اليهود في العراق»، ترتكز، كما في حال كتاب عباس شبلاق، إلى الخطاب الاستشراقي الملتزم بالتأريخ الخلاصي أو القدسي. الكاتب يعود إلى أواخر القرن السابع عشر لاستعراض أعداد العرب اليهود من العراق، كما يخصص قسماً للأكراد اليهود في كردستان العراقية.
الفصول الثلاثة التالية، تتناول بالعرض والتحليل الحياة الاجتماعية والثقافية والتعليمية للعرب العراقيين اليهود، وأدوارهم في مختلف المجتمع العراقي. نقرأ، على سبيل المثال، عن مدارس اليهود في العراق، وبنيتهم الاجتماعية، ومن ذلك عرض متكامل موثق عن «فئة البرجوازية التجارية وأصحاب الأموال» (أي: رأس المال المالي، كما هو معروف في الفكر اللينيني الذي ينتمي إليه الكاتب)، إضافة إلى معلومات عن فئات الفلاحين وصغار المزارعين والبرجوازية الصغيرة والعمال.
«الثقافة في العراق والمثقفون العراقيون اليهود» موضوع الفصل الرابع. يسرد الكاتب دورهم من الجنسين، ويورد في الوقت نفسه عناوين مجموعة من المؤلفات كتبها عراقيون يهود بالعربية التي صدرت في العراق منذ مطلع القرن الماضي، وتعنى بالمسائل الدينية اليهودية على نحو رئيس.
إضافة إلى ما سبق، أثرى الكاتب المؤلف بسرد أسماء مثقفين عراقيين يهود أصدروا صحفاً عربية وكتبوا الشعر العِلماني بالعربية، وكذلك بنماذج منه. كما نقرأ أسماء مجموعة من الملحنين والمغنين ومجال شهرتهم، مثل الموسيقيين الأخوين داود وصالح يعقوب عزرا (الكويتي) اللذين كلفتهما الحكومة العراقية بتأسيس فرقة الإذاعة (العراقية) الموسيقية عام 1936. ومن الأمور الجدير بذكرها أن الفنان المصري الراحل الكبير محمد عبد الوهاب زارهما في بغداد مبدياً لهما «الرغبة في التعلم على يدهما بعض أسرار موسيقاهما» - دوماً بحسب الكاتب، وأكرم زبلي قارئ مقام، وسلطانة يوسف ونجاة سالم المطربتان، وإبراهيم سلمان عازف القانون، وكذلك فرقة المكفوفين برئاسة عازف الكمان داود أكرم.
أجزاء الكتاب الأخرى، التي تحوي مجموعة من الوثائق ذات العلاقة ضمها الكاتب في الملاحق أيضاً، تتناول بالبحث والعرض الجوانب السياسية بالمادة وعلاقتها بتطور الحركة الصهيونية وما يسمى «أحداث الفرهود» ودور الاستعمار البريطاني والقوى الرجعية المتعصبة والمتطرفة في تأجيج الفرقة بين فئات المجتمع العراقي، الذي كان الآمر الناهي حتى أطاح به ثوار العراق في تموز 1958، وهو حدث اهتزت له أركان التحالفات الاستعمارية الأنجلوأميركية في المنطقة.
الكاتب ألحق المؤلف بمجموعة مهمة من القوائم والوثائق التاريخية ذات الصلة ومنها على سبيل المثال قائمة بأسماء الصحف التي أصدرها مواطنون عراقيون يهود، وقائمة بإصدارات رابطة الجامعيين اليهود النازحين من العراق وقانون الطائفة اليهودية ونص اتفاقية فيصل-وايزمان بخصوص دعم الأول مشروع الحركة الصهيونية اغتصاب فلسطين.
ختاماً، نوصي بهذا السفر المرجع، لكن لا بد من التعبير عن اعتراضنا على بعض التعبيرات والمصطلحات السياسية المستخدمة في المؤلف، ورفضنا الأخذ بها لأنه من الغلط مساواة الجاني بالضحية، ولوم الضحية يشجع المجرم على الإمعان في طريقه، لكن هذا موضوع آخر.