عباس شبلاق، العالم المعروف والأستاذ الجامعي المقيم في بريطانيا، صاحب هذا المؤلف، يتناول بالبحث المستفيض والمنهجي أحد نتاجات الغزو الصهيوني لفلسطين وتمكنه من اغتصاب الأرض، وطن أهلها الذين عاشوا فيها وحرثوها وزرعوها وبنوها، حجراً فوق حجر، عبر عشرات القرون. تمكنت الصهيونية ـــ وهي حركة أصولية دينية غربية، نشأت وترعرعت في أوروبا ـــ من اغتصاب فلسطين، وتأسيس كيانها السياسي هناك، مكنها من إضفاء شرعية «يهودية» على خطابها الذي يدعي بأنه ناطق باسم كل يهود العالم ويهودياته.

مشكلة العرب اليهود، أو اليهود العرب، ولا فرق بين التسميتين، موضوع شائك يتطلب البحث فيه، وفق منهجية علمية، العمل في اتجاهات عدة، في مقدمتها العودة إلى التاريخ، ومن ثم تطور تكون تلك الطوائف تاريخياً ومواقعها في مختلف مجتمعاتها؛ وهذا ما فعله عباس شبلاق بخصوص موضوع عمله، أي مسألة يهود العراق وهجرتهم أو تهجيرهم، إلى فلسطين. ومن الواضح أن الكاتب اختار لبحثه موضوع يهود العراق، أو العراقيين اليهود، كونهم عرباً تاريخياً، ولغة إبداعاتهم، العامة أو الخاصة، كانت العربية. يهود العراق ـــ بحسب الكاتب ـــ كانوا أقدم الطوائف «اليهودية» في العالم، بعد يهود فلسطين، ووجودهم فيها قديم للغاية، وكانوا شاركوا بنشاط في حيوات بقية أطياف شعب العراق، الاقتصادية والسياسية والأدبية وغيرها. لذا من الطبيعي أن يبدأ الكاتب عمله بالجانب التاريخي ليهود العراق، وهو موضوع الفصل الأول، ويحوي خلفية تاريخية، لكنه اعتمد النظرة التقليدية الخلاصية السائدة في الأدبيات «الاستشراقية» ذات العلاقة. الكاتب ينتقل بعدها إلى التغيرات السكانية أو الديموغرافية في بنيتهم، ومن ثم اندماجهم في التحديث الذي شهده العراق إبان ولاية مدحت باشا، إضافة إلى أدوارهم المالية والتجارية وموقعهم في حيوات العراق الاقتصادية. المهم جداً في هذا القسم، وفي أقسام المؤلف، جميعها، اعتماد الكاتب على الإحصاءات الرسمية وغير الرسمية، بخصوص يهود العراق وأعدادهم، ابتداءً من العهد العثماني المتأخر، إلى مرحلة الاستعمار البريطاني، التي بدأت باحتلالها في أثناء الحرب العالمية الأولى، حاكم البلاد والمتحكم في كافة تفاصيل سياسة حكامها العملاء، والذي بقي المرجع لكافة أمور البلاد إلى حين الإطاحة بالنظام الملكي في ثورة 1958. فعلى سبيل المثال، نعثر على جدول يحوي عضوية إدارات غرفة تجارة بغداد في أعوام عدة يظهر أن التجار «اليهود» شكلوا في عام 1935/1936 نصف مجمل عدد الأعضاء البالغ 18، الذي هبط إلى سبعة أعضاء في عام 1948/1948، ثم إلى الاختفاء نهائياً بعد عملية هجرتهم وتهجيرهم.
الإحصاءات المرتبطة بموضوع المؤلف التي قدمها الكاتب، تعكس نظرة الاستعمارين، البريطاني والفرنسي، التقسيمية أرضاً ومجتمعاً، لمجمل البلاد العربية، شرقاً وفق مؤامرة سايكس بيكو المعروفة التي ضمت مختلف دول الخليج الفارسي، وكان رديفها في ليبيا، خطة بيفن-سفورزا، لتقسيمها إلى ثلاث دويلات هي طرابلس وبرقة وفزان. لقد اتبع الاستعمار هذا المنهج التقسيمي التناحري في مواجهة الجامعة العثمانية الحداثية التي عملت الثورة في اسطنبول على تنميتها، وسبق لنا الإشارة إلى هذا عندما عرضنا كتاب ميشيل كمبُس «أخوة عثمانيين» (الأخبار: 5/12/ 2015).

يعتمد الكاتب على الإحصاءات الرسمية وغير الرسمية التي توثق أعدادهم

هذا الجانب ضروري ذكره في هذا العرض لأننا نرى أن جداول عديدة، مهمة طبعاً، أوردها الكاتب في عمله تشير إلى أعداد مختلف الطوائف الدينية و«العرقية».
الفصل الثاني «الإرث الاستعماري وتأثيره في يهود العراق» خصصه الكاتب للحديث في التدخلات الاستعمارية البريطانية في البنية الاجتماعية العراقية وسعيها المحموم إلى تسهيل عمل المنظمات الصهيونية، التي هي في الأصل، إشكنازية، أي أوروبية، غريبة عن حياة يهود المشرق المعروفين باسم المزراحيم، أي: المشرقيين. مشروع تحويل فلسطين إلى وطن لليهود، بريطاني في الأصل، وبدأ بانتشار الوباء الألفي الذي ساد تلك البلاد في أعقاب الثورة الفرنسية والأفكار التنويرية، إضافة إلى ممارساتها الدموية الوحشية بحق الأرستقراطية، السائدة في مختلف دول أوروبا، التي أطلقتها وهزت مختلف أنحاء غربي القارة الأوروبية، وبريطانية في المقدمة. ينهي الكاتب هذا الجزء بتأكيد إخفاق الحركة الصهيونية في سعيها لدفع يهود العراق للالتحاق بها في فلسطين، المستعمرة البريطانية، وهو أمر استمر حتى اغتصاب فلسطين وتهجير أهلها بقوة السلاح، وفق مؤامرة ما يسمى حرب فلسطين، التي كانت في حقيقتها حرب تقاسم فلسطين بين أنظمة سايكس-بيكو، وكيان العدو أحدها. وهذا الأمر موضوع الفصل الثالث «تهيئة المشهد للهجرة والتمسك بالبقاء». هنا تحديداً نرى تغيراً محدوداً في المزاج العام بين يهود العراق: يوضح الكاتب بالأرقام أعداد المهاجرين اليهود إلى فلسطين المحتلة بين عامي 1948 و1952، ليس من العراق فقط، وإنما من مصر ومستعمرة عدن أيضاً. شكل تمكن العدو الصهيوني من اغتصاب معظم أراضي فلسطين (الانتداب) وطرد أهلها منها نقطة تحول في المزاج العام تجاه «اليهود» في العراق وغيره، وهو أمر قد يبدو طبيعياً بسبب الخطاب الديني السائد، التقسيمي في جوهره، وهو ما منح الحركة الصهيونية فرص نجاح في انتزاع اليهود العرب من جذورهم التاريخية واستخدامهم دروعاً بشرية (سنعود إلى هذا الموضوع في عرضنا كتاب «العصبية وسياسية الخوف في إسرائيل»، وفق مفاهيمها العنصرية، وهو موضوع الفصلين الرابع «حيثيات قانون إسقاط الجنسية»، والخامس «الهجرة الجماعية»).
قانون إسقاط الجنسية الذي أصدره العراق المستعمَر شكل منطلقاً لمساعدة كيان العدو الوليد، وفق عملية «تبادل سكاني» اقترحتها لندن بهدف القضاء نهائياً على قضية شعب طرد من وطنه؛ ما فاجأنا أن الكاتب لم يستعن بمؤلف ماري ولسن الذي يتطرق إلى المسألة بالعلاقة مع حاكم شرق الأردن العميل، عبد الله (الأول) ودوره في تسهيل إخراج يهود العراق من بلادهم عبر إمارته الكاريكاتورية والأجر الذي قبضه ثمناً لجريمته هذه بحق العراق ويهودها العرب وفلسطين. في الفصل الأخير، استعرض الكاتب المؤثرات الداخلية في دفع اليهود للهجرة، طوعاً أو قسراً، تلا ذلك ملحق يحوي مجموعة مهمة من الوثائق ذات الصلة بمادة المؤلف.
ملاحظة أخيراً، الزميل عباس شبلاق لم يميز، على نحو واضح، الهجرة الطوعية الحقيقية التي تتم لأسباب شخصية فردية، من «الطوعية» الأخرى التي تتم بسبب قيام الجهة المستقبِلة بجذب المهاجرين المحتملين، وهو أمر مهم لفت الانتباه إليه أهل الاختصاص وسبق لنا الإشارة إليه في عرضنا كتاب «نزف العقول الدائم» في عدد الأخبار 2786 الصادر بتاريخ 13 كانون الثاني 2016.