تكاد لا تخلو رواية سورية من عكّاز تاريخي تستند إليه. يصح هذا الكلام، على نحو خاص، على الروايات المكتوبة منذ السبعينيات. كانت الرواية السورية آنذاك تنافس ماردين كبيرين، هما الشعر والقصة القصيرة، للدخول إلى المشهد الأدبي. وكذلك، كان على أي كاتب جديد أن يمر بمرحلة حنا مينة، إما مُريداً أو مُحطِّماً، لينتقل التركيز منذ الثمانينيات إلى هاني الراهب كبوصلة روائية وحيدة، في ظل غرق كتّاب الرواية الآخرين (أو الحكّائين بالأحرى) في متاهة المؤسسات الرسمية أو دور النشر شبه الرسمية.

وبالرغم من هذا الإيغال التاريخي الكبير، إلا أن المرحلتين التاريخيتين الأكثر حضوراً انحصرتا بالاحتلالين العثماني والفرنسي، وبشكل أقل، مرحلة الانقلابات العسكرية، من دون أن تجرؤ أيّ رواية على كسر تابو مرحلة الحكم البعثي الممتد منذ الستينيات.

كان علينا أن ننتظر عام 2005، بكل سياقاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، المترافق مع تعاظم مساهمة دور النشر اللبنانية في نشر الروايات «المُغايِرة»، ليكون عام انطلاقة طوفان «الرواية السورية الجديدة»، ليولد بعده جيل كامل من كتّاب الرواية مختلفي التوجّهات الفكرية، ولكن متشابهي الأسلوب إلى حد التطابق.
بدأت هنا عملية تصفية الحساب مع التاريخ الراهن، بحيث تفجّر بركان الصمت، ولتبدأ شخصيات المُخبِر ورجل الأمن والعسكر والسجون السياسية والحضور الطائفي في الظهور في هذه الروايات الجديدة، من دون أن تكون لتلك الروايات سويّة فنيّة عالية بالضرورة. كانت كسراً للصمت؛ ولا يُشترَط بالصرخة التي تكسر الصمت أن تكون «مدوزنة». ولكن المشكلة كانت في استمرار نشاز هذه الصرخة حتى بعدما أصبحت هذه الحكايات ذاتها، حكايات مكرورة في الشارع والتلفزيون ونشرات الأخبار والصحف الرسمية. ما معنى «الجرأة» إن كانت الميديا الرسميّة وأدباء السلطان أكثر اقتحاماً من المعارضة؟
لم يكن فواز حداد ابناً لهذه الموجة الروائية الجديدة رغم أن شهرته انطلقت بالتزامن معها. كان الروائي الهادئ بعيداً من شللية المشهد الثقافي السوري، وبالتالي بعيداً من دائرة الضوء. وهنا كان يكمن تميّزه. كان يكتب رواية سورية جديدة قبل تكريس الاصطلاح النقدي. وكان يكتب رواية مغايرة قبل تحوّل البوصلة الروائية في السنوات الأخيرة. وكان صوتاً روائياً جاداً قبل ظهور الأصداء الكثيرة ذات الإيقاع المتماثل. مأساة فواز حداد أنه رُشّح لجائزة «بوكر» العربيّة. أن تخرج إلى العلن بعد عزلة طويلة، وضمن بؤرة تركيز أضواء أكبر جائزة روائية عربية يعني استنزاف قدراتك وانتهاك عزلتك. كانت عزلة فواز حداد هي نقطة قوته في الكتابة الروائية، وحين جاءت لعنة الشهرة، بدأ التراجع وصولاً إلى الإسفاف. اندفع فواز حداد إلى الأضواء بدلاً من زيادة المسافة عنها. وهنا بدأ تأثير لعنة الشهرة القاتلة.
فواز حداد ابن للرواية التاريخية - الاجتماعية، لو جاز التعبير. منذ روايته الأولى «موزاييك: دمشق 39» (1991)، اختار الحفر في التاريخ السياسي لسوريا، وقرر بذكاء شديد جعل التاريخ مجرد خلفية للمشهد الاجتماعي. كانت الأسماء التاريخية الكبيرة مجرد ظلال لشخصيات «أبطال» روايات فواز حداد الأولى. لم يعطهم الكاتب دوراً مبالغاً فيه، كانوا مجرّد شهود، وسيبقون كذلك. كانوا ضحايا، وسيبقون كذلك. أما الأسماء الكبيرة، فستبقى هي صاحبة السطوة الكبرى، وسيبقى لوطأة السلطة الأثر الثقيل ذاته، إنما تحت عيون جديدة لقارئ جديد. أصبح هناك شهود للجرائم التي ارتُكبت في الماضي، وقُيّدت ضد مجهول. هذا ما كان فواز حداد يسعى إليه، ونجح فيه إلى درجة كبيرة، في رواياته الأولى.

اختفى التشويق الذي تتسم به معظم أعماله

لا تخرج روايته الأخيرة «السوريون الأعداء» (دار «رياض الريّس») عن هذه البوتقة السياسية - الاجتماعية. الفارق المهم هو أن الحضور الروائي قد كرّس خفوته لصالح الصراخ السياسي. كسر فواز حداد المسافة بين المقالة والرواية، بحيث يكاد القارئ لا يفرّق في معظم صفحات الرواية إن كان يقرأ كتاباً سياسياً أم عملاً أدبياً. اختفى التشويق الذي تتسم به معظم روايات حداد، وترسّخ الحضور الفج للمواقف السياسية وتصفية الحسابات. تلاشى الحضور المُبهر للكواليس الاجتماعية والسياسية في الرواية، لنبقى أمام مشاهد وصفية لا تليق إلا بالصحافة الصفراء. ليس للشخصيات، برغم عددها المعقول، حضور في الرواية، إذ كانت مجرد إيقاعات مختلفة لصوت أوحد ينقل «البيان رقم واحد» للروائي الذي يريد شنّ انقلاب عسكري عن طريق رواية!
لا يجد القارئ في «السوريون الأعداء» سوى صور نمطية كرّستها ميديا«الثورة». المجتمع قسمان: قسم عسكريّ علويّ، أو مُتَعَلْون؛ وقسم مدني مسحوق، سنيّ بالضرورة، من دون أن نجد ألواناً أخرى في هذه المتاهة الجحيمية التي يضعنا فيها الكاتب. بدأنا بحماة 1982، وانتهينا بحماة 2012. ثلاثون عاماً مرت في الرواية من دون أن نجد ولو قصة واحدة يمكن أن تستند إليها الرواية لتبقى رواية لا بياناً سياسياً منحازاً. حتى قصة الولد الحمويّ الذي أصبح في الثلاثين، كأنه يجسّد الحياة الأخرى لحماة، لم تنجُ من عسف الضربات السياسية المتلاحقة التي يشنّها الكاتب على شخصياته، مثل قاضٍ في محاكم التفتيش. غيّر فواز حداد لعبته الروائية الأثيرة وأفرد للشخصيات السياسية الكبيرة حضوراً طاغياً، وترك الشخصيات المسحوقة في رحلة هرب مستمرة من طاغية سياسي إلى طاغية روائي. تسلّلت شهوة السلطة إلى الروائي بعد شهرته ليكرّس نفسه مستبداً آخر يمسك بتلابيب الجميع، بمن فيهم القراء، ليلقّنهم دروساً وعظية في السياسة.
لا يمكن لنا فصل تغيّر الأسلوب الروائي عند فواز حداد عن شهرته بعد القائمة القصيرة لـ «بوكر 2009». من يذكر عنوان رواية له بعد «الضغينة والهوى» (2001)؟ ربما يمكننا تذكّر «مرسال الغرام» (2004)، لنضعها في الكفة الثانية لميزان المقارنة مع هذه الرواية الأخيرة. هناك، كان للسياسة معنى، وكان للفن الحضور. أما هنا، فقد ابتلعت السياسة المعنى والحضور وجفّفت كل شيء. ربما كان لقرب المسافة التاريخية دور في الاندفاع الغاضب للروائي في الكتابة. إذ كان حدّاد «أهدأ» حين تناول فترات تاريخية أبعد، بخاصة في روايته الأهم «تياترو 1949» (1994).
في «السوريون الأعداء»، يشارك الكاتب في المذبحة السورية التي لن تُبقي لها جمهوراً بعد سنوات قليلة. سينفضّ عنها معجبوها وكارهوها، على حد سواء، كما انفضّ القرّاء عن روايات المحرقة في أوروبا. قد تفوز الرواية بجائزة «بوكر» أو «كاتارا»، ولكنها لن تكون أكثر من بيان سياسي - روائي لتصفية الحسابات في ملف الروايات السورية الـ «بوكريّة» التي اختلفت في أسماء الكتّاب، وتماثلت في النبرة الوعظية لشرح تاريخ مجازر حماة.