أفضّل الحديث عن روايتي الأولى «اعتدال الخريف» (1995) كبداية لمسيرة شخصية في الكتابة الروائية، لا كتابي الأول الذي كان مجموعة قصص قصيرة بعنوان «الموت بين الأهل نعاس» (1990)، واستوحيت أسلوبها السردي من تراث شفهي مسموع، وشخصياتها من بيئتي الاجتماعية الغنية بما يمكن اعتبارها نماذج «روائية» أخبارُها ومصائرُها متداولة في الحيّز العام.


كانت تلك القصص تصفية حساب محلية، ومحاولة لم أعتقد أنه سيكون لها تتمة في السعي الى تحويل الأهل الى شخصيات «أدبية»، ووقائعهم الى سرد قصصي مكتوب. وهكذا صار، حيث تعرّف أصدقائي وأقاربي إلى مجمل هذه الشخصيات واقترحوا عليّ تفاصيل ونوادر إضافية أو حتى راحوا يلفتون انتباهي الى شخصيات أخرى «تستأهل» أن تكتب حكايتها. مررتُ هكذا على أحد وجهاء عائلتنا، ومعلمتي الأولى في مدرسة الراهبات، وصديق اشترى آلة لفحص العيون، وحارس الكنيسة والسكرستاني المحدودب الظهر الذي يغازل الفتيات بالفرنسي، والشاب الذي يطلق على نفسه اسم «شاعر الوردة»، وكان يحفظ القاموس عن ظهر قلب، وهو يتنزه في الساحة العامة.
ثم تستيقظ الأنا في كنف الجماعة ملحةً على كتابة أكثر اتصالاً، أي ما يمكن اعتباره نداءً متلعثماً نحو الرواية. وفي محاولة الوصول الى شكل أبدأ به، وجدت العنوان أولاً «اعتدال الخريف»، وهذا ما لم يحصل معي لاحقاً حيث صار العنوان بحثاً متعباً مؤجلاً على الدوام الى ما بعد الفراغ من الكتابة، أُشرك في اختياره صديقاً أو أكثر. وجاءت الدلالة الزمنية للعنوان أي يوم 22 أيلول حين يتساوى الليل بالنهار، لتعطي كتاب «اعتدال الخريف» شكله وهو يوميات شاب عائد الى بلدته من هجرة أميركية، وليطرح ذلك أمامي إشكالية يعرفها الدارسون في علم السرد: كيف يمكن تحويل التدوين المتقطع المفترض أنه يومي أو شبه يومي الى نص متّصل، كيف لتلك الملاحظات المستقلة في دفتر حميم أن تصبح رواية أو ما يشبه الرواية؟ كان عليّ تقمّص مدوّن اليوميات أي ما يسمّي الراوي الداخلي والادّعاء معه أنه غير ملمّ بما سيحدث غداً وتقمّص شخصيته المروية أي ما يحكيه عن نفسه، إضافة الى الشخصيات الأخرى الدائرة في فلك حياته. كانت المهمة مفتوحة في جميع الاتجاهات، وأكسبتني شعوراً بالحرية والتنزّه والابتكار، حيث لا يوم يشبه سابقه وحيث يمكنني «مسرحة» أذواقي السينمائية والفنية والأدبية، وفي الوقت نفسه كان المطلوب استنباط وحدة سردية تعطي الكتاب قوامه في سياق يتمحور بالضرورة حول صاحب المدوّنة.
وكنت حينها، أي في النصف الأول من تسعينيات القرن الماضي، لا أزال أكتب بأقلام الرصاص على دفتر مدرسيّ مسطّر، أترك الصفحة المقابلة بيضاء كي أسجّل عليها ملاحظات وتتمات واحتمالات كتلك التي يوفّرها اليوم برنامج «وُرد» المعروف، الذي أدمنته فيما بعد لكتابة رواياتي اللاحقة، وأدمنت معه مفاتيح أحرف الحواسيب لدرجة أكاد معها اليوم لا أعود مسيطراً على الكتابة باليد. وقد ضمّنت يومياتي هذه أو يوميات بطلي (المضاد، كما يقال) معاناتي مع هذه الأقلام التي كنت أبعثرها على طاولتي وأنساها في الأدراج، وأشتري منها مخزوناً لا يتناسب مع حاجتي لخوفي من نفادها من المكتبات، واستقررت على ماركة Berol الانكليزية من عيارB صلب ما فيه الكفاية للكتابة المترددة بينما الـ B2 ضروري للصياغات النهائية (و«جنسية» الأقلام ومواصفاتها لم تكن تفصيلاً تافهاً في هذا السياق). كذلك جلتُ على طقوسي الكتابية الأخرى، مبتدئاً كنتُ ومتعباً من حينه بسبب «العبء الذي لا يطاق» يشغلني النهار بطوله وأجزاء من الليل «ولا أجلس الى طاولتي إلا ساعتين بعد الظهر»، لأني أكون في المساء مذعوراً وفي الصباح رخواً.

كنتُ حينها في النصف الأول من التسعينيات أكتب بأقلام الرصاص على دفتر مدرسيّ مسطّر


فازت الرواية بجائزة أفضل عمل مترجم من العربية تمنحها جامعة «أركنساس» الأميركية
كما شغلني فعل الكتابة نفسه بالنسبة إلى راوٍ ترعرع في عائلة «لا أثر في بيوتها للمكتوب، باستثناء صكوك الملكية التي كانت تحتفظ بها جدتي تحت فراشها»، وفرضت نفسها عليّ من هنا سيرة الجماعة وتاريخها «الراسخ» في موازاة محاولة التعبير عن ذات هشّة وصورة عن الوجه والهندام والغرق في أحزان لا «أصول» لها. فبدا بطلي كأنه يخرج بفردانيته طرياً مبعثراً يرمّم نفسه من رحم أهل «كأنهم لم يأتوا من أي مكان، نبتوا هنا مستظلّين السماء وشجر الجوز، يتوارثون الأرض ويتنازعون عليها بقساوة وطول أناة. لا يأتمنون الكتب على تاريخهم الذي يتناقلونه في رواية واحدة، يعرفونها جميعهم عن ظهر قلب، ويوم يكتبونها تكون بداية نهايتهم». وها أنا أوكلت الى شخصيتي الرئيسية، صاحب المذكرات المفككة، استعادة حكاياتهم مكتوبةً ولو من دون نظام كمؤشر ربما على انتهاء حقبة وبداية أخرى.
وكانت غربة البطل وعودته ذريعة لتعميق المواجهة مع الأهل حيث حاول فرض «نظام» للأكل على أمه وأخته التي قالت إنها ستشعر بالحياء الشديد «إذا ما دخل علينا أحد ووجدنا جالسين ثلاثتنا فقط نأكل ببطء وتهذيب ولا ينقصنا سوى الشموع المضاءة». اعتنى بوجهه: «أقف أمام المرآة طويلاً، أضرب المشط في شعري وأتأمله»، وشاربيه، بقبعته ولباسه تمتيناً لدفاعاته الذاتية، متوهماً أنه نجح في جعل حياته ملساء مرتّبة: «لا أخاف المطر ولا أخاف شيئاً».
وهو في مسيرته هذه، تلحّ عليه شخصيات عطوبة من بيئته ربما تؤازره في المواجهة، ومنها رئيس البلدية الذي هجرته زوجته الى البرازيل فراح يمسح أحذيتها ويصفّها ثم يوم عادت أغلق الباب في وجهها، أو الخال روفائيل الذي كان يؤدي دور يوضاس في جمعة آلام المسيح ويطارد النساء بلا هوادة، لكنه في الأخير يسقط، يتداعى من الداخل أمام منظر امرأة مرتبكة وطفلة خائفة في ساحة البلدة التي يجتازها في الختام «كمن يجتاز حقلاً مكشوفاً على الأعداء».
«اعتدال الخريف» هو في الواقع ما يسمّى اليوم في التصنيفات السردية «التخييل الذاتي» أو Auto fiction لتمييزه عن السيرة الذاتية المدّعية علناً استعادة حياة الكاتب – الراوي، وقد عبّرت فيها بنمط من التقعير أو Mise en abyme عن هواجس الراوي – الكاتب والراوي في حياته اليومية المقاومة عبثاً للانكسار، وهو انكسار داخلي قبل كل شيء.
صدرت الرواية عن دار النهار في بيروت عام 1995، ولقيت بعض الصدى، أذكر منه مقالة طويلة للصديق الأستاذ وضّاح شرارة في صحيفة «الحياة»، فكّك فيها نسيج النص واحتمالاته بدقته وعمقه المعهودَين، كما تولى الأستاذ في جامعة تولوز – لو – ميراي نعوم أبي راشد ترجمتها الى الفرنسية، وإصدارها في منشورات الجامعة. كذلك نقلتها بأناقة السيدة ناي حناوي الى الإنكليزية ففازت عليها (وفزت معها) بجائزة أفضل عمل مترجم من العربية تمنحها جامعة «أركنساس» الأميركية. فكان هذا كافياً كي أعيد الكرّة لكن هذه المرة، وحتى اليوم، بالتوجه الى رواية متماسكة، رواية الآخرين أو رواية الأمكنة بعد الانتهاء من سيرة الأنا ومراياها.