يوظف الكويتي إسماعيل فهد إسماعيل واقعيته الروائية، ليقتحم خبايا واقع مرير عاشه وما زال يعيشه الإنسان الكويتي والعراقي نتيجة احتلال الكويت. في روايته «طيور التاجي» (نوفابلس للنشر ـ بيروت، 2014)، يطرح إسماعيل فهد إسماعيل واقعاً لا ينقصهُ الوضوح كما لا تنقصهُ الحيادية، ويضع أمامنا وثيقة أخلاقية لا تخلو من المجازفة. هذا الروائي الذي يعد مؤسساً لفن الرواية الكويتية، يدعونا إلى امتلاك الروح المنصفة برؤاها الإنسانية لنقيّم واقع الكارثة المرّ من خلال دراسة الواقع بحيادية تامة. الرواية صادمة، هذا صحيح، كون مؤلفها أراد معادلة كفة الكارثة بين شعبين باتا ضحية سياسة حمقاء لديكتاتور أحمق.


محاولة معادلة الكفة تتجلى في تناوب أحداث الرواية بين مسرحين متجاورين: المسرح العراقي حيث نتابع يوميات أربعة أسرى كويتيين (مدنيين) أُسروا خلال الاحتلال ليودعوا في سجون العراق، ومسرح الكويت الذي نتابع فيه يوميات كاتب كويتي معروف، شقيق أحد الأسرى الأربعة. بالإضافة إلى بحثهِ المضني عن شقيقهِ، ينشغل هذا الكاتب في استنطاق الواقع لإظهار حقيقة ما خلَّفهُ الاحتلال من وجع كارثي مزمن، صار ينخر جسد العلاقة الحميمة التي كانت تربط بين العراقي والكويتي.
الرواية التي تحكي يوميات الأسرى الأربعة، بدر (القاضي) وجعفر (الصحافي) وغالب (الفنان التشكيلي) ثم فهد (البيطري) تحكي لنا أيضاً يوميات الملازم أيمن والعريف ريسان اللذين كانا مسؤولين عن سجن الأسرى الأربعة في بيت صغير داخل «معسكر التاجي» في بغداد. وقد وُفِّق المؤلف في خلق وبناء شخصية الملازم أيمن الذي أظهر تعاطفاً مع أسراه أو «العُهدة» كما يطلق عليهم من قبل الجهات الرسمية العراقية.

مقاربة مشكلة «البدون» في المجتمع الكويتي

رغم معرفته بمخاطر ما يقوم به، عمل الملازم أيمن على توفير «الراحة» للأسرى حتى «صار يرى نفسه متسقاً تماماً مع ضميره». بدأ بتوفير الشاي الذي كان ممنوعاً عليهم، ثم توفير عدد واحد من مجلة «العربي» الكويتية الممنوعة التداول في العراق. ثم تصل مساعدات الملازم إلى الأوراق والأقلام، والألوان التي أهداها إلى غالب الفنان ليرسم وجوه رفاقه وسجانيه وذكرياته... وصولاً إلى جهاز الراديو ليسمعوا أخبار بلدهم. لم يغفل المؤلف أهمية الالتفات إلى بلده ليضع أمامه واحدة من أهم مشاكل المجتمع الكويتي، عن طريق البناء المتقن لشخصية جعفر الأسير الذي عاش حياته في الكويت مواطناً من الدرجة غير المعترف بها كونه «بدون». ورغم هذا فهو أسيرٌ كويتي يقبع منذ سنوات في سجون العراق السريّة.
الاحتلال غيَّرَ العديد من المفاهيم والمشاعر، كما غيَّرَ خارطة العلاقات الإنسانية والسياسية، وهذا ما حرصت الرواية على إظهاره بحبكة روائية متقنة، مستغلة ثقافة شخوصها، وخصوصاً الأسرى. ها هو الكويتي الذي كان يعلّق صورة صدام في غرفة نومه إبان حربه مع إيران، بات اليوم أسيراً في سجون صدام. ومجلة «العربي» صارت هي الأخرى نافذة يطل منها وجه الاحتلال القبيح: «الفكرة الكامنة وراء إصدار مجلة «العربي» منذ عددها الأول عام 1958 أن تكون الصوت القومي العربي الصادر عن الكويت بمشاركة كتّاب معظمهم عرب. قال فهد موارباً نكاية. الاحتلال كان ثمناً مناسباً لموقف الكويت العروبي». هذه الحقيقة التي لم يغفل عنها المؤلف كان لها حيز مهم في يوميات الأسرى وأحداث الرواية، بالإضافة إلى الحيّز الإنساني الكبير الذي منحه المؤلف للقارئ وهو يستعرض مشاعر إنسانية لا تنقصها المرارة وما سبقها من حبٍ وتعاطف. الأسير غالب يعترف بأن الجيش العراقي قتل زوجته وهي على وشك الولادة، لكن من تكون زوجته؟ إنها رباب التي «ماتت عراقية، ماتت وهي لا تزال عراقية. فلم أضمها لملف الجنسية الخاص بي، آثرت فعل ذلك بعد ولادتها طفلها». وهذا الأسير بدر القاضي يريد للنظام العراقي السقوط بأسرع وقت ليعود إلى كويته، لكنه «يحبّ العاصمة بغداد، يتذكرها لما أخذه أخوه إليها، لا يريد دماراً يلحق شارع الرشيد أو المتنبي أو سوق الشورجة». وجعفر الصحافي (البدون) الذي يموت في أسره، لم يجد رفاقه مكاناً لدفنه غير تلك الفسحة المسماة حديقة البيت الخلفية (حديقة السجن) ليصبح قبره بعد أيامٍ قليلة، مقبرة جماعية تضم جثامين رفاقه الأسرى بعد إعدامهم من قبل مفرزة قبل سقوط نظام الديكتاتور بساعات.
كل شخوص الرواية ضحايا. والضحايا تتحول إلى رسوم معلقة على جدار أحد البيوت العراقية في قلب بغداد. رسوم جسدها غالب المدفون تحت تراب أرض التاجي، تحمل وجوه الأسرى وضابطهم وعريفه المعتقلين في سجن حقير. إنه المشهد الأخير الذي تودعنا به رواية «طيور التاجي».