على رصيف «شارع بويلستن» في مدينة بوسطن الأميركية، ظهر تمثال أخيراً، بلون أزرق رمادي، يشبه لون القرن التاسع عشر الذي ينتمي إليه. إنه إدغار ألن بو تائهاً في مدينته التي عاد إليها أخيراً في الذكرى الـ 165 على وفاته. بحجم يكبر الجسد البشري بقليل، يجتاز المسافة نحو بيت والديه الذي لم يعد موجوداً في «شارع كارفر».


لن تجدي الأبنية القديمة المتبقية في الشارع في شحن إحساسه بالانتماء، على المستوى الزمني على الأقل. ذلك أن توتراً طبع علاقته مع بوسطن، حتى وفاته الغامضة في بالتيمور عام 1849. هذا المشروع (الدعوة إلى المصالحة) أطلقته «مؤسسة إدغار ألن بو في بوسطن» بعد سنين من الجفاء معه، كان أبرزها تجاهل الاحتفال بذكرى ولادته الـ 200، عام 2009. مصالحة اشتملت أيضاً على إطلاق اسم «مربع إدغار ألن بو» على تقاطع شارعي «بويلستن» و«تشارلز»، حيث شيّد التمثال.
استعادته المدينة إذاً، وجاء البوسطنيون ليتفرّجوا على كاتب مدينتهم. أولئك الذين كتب عنهم يوماً أنهم «بلا روح»، فيما لم يتوان عن إطلاق الانتقادات للنخب الأدبية والثقافية فيها. هذه العلاقة ولّدت نقاشاً حول الحدث، إذ اعتبر البعض أن ازدراءه لمدينته هو الذي منح التمثال أهميته.
بعنوان «بو يعود مجدداً إلى بوسطن»، أنجزت ستيفاني روكنن التمثال البرونزي، مستحضرة رموزاً بارزة من رحلة بو الأدبية. تتساقط أوراق من محفظة يده التي يخرج منها غراب عملاق، في إشارة إلى قصيدته الهذيانية «الغراب». وعلى كدسة الكتب وراءه، تُرك قلب. إنه القلب الذي دفنه بطل قصة «القلب الواشي»، مع صاحبه تحت ألواح الأرض الخشبية. ولعلّ بو وحده يسمع نبضاته الآن، ولا أحد غيره، مع هواجس تتسلق رأسه وتغرقه يوماً بعد يوم. ألم ينخر صوت القلب أذني القاتل في القصة نفسها من دون أن يسمعه أحد من الضباط الثلاثة الذين أتوا للتحقيق في تلك الغرفة البائسة؟
منذ رحيله قبل أكثر من مئة عام، لم تهدأ الأبحاث عن قصصه ومؤلفاته الغامضة التي قابل بها حياته السوداء. تلك اللعنة التي انصبّت عليه، مع وفاة أمه حين لم يكن قد بلغ الثالثة بعد، ولم تنته برحيل أخيه عام 1831، ولا بموت زوجته فيرجينيا كليم بالسل بعد سنوات على زواجهما عام 1847. وللعنة بو قابلية عظيمة لأن تتحوّل إلى مئات اللعنات (الديون والفقر) التي ركلته أخيراً إلى شوارع بالتيمور مع زجاجات الكحول. حتى إن قصصه لم تكن سوى تنويعات على ذلك الموت الذي لاحقه. دفع بكتاباته وصوره المرعبة إلى أقصاها من دون رحمة حتى غدت خانقة، تجبرك في أكثر الأحيان على إغماض عينيك بيدك والضغط عليهما بشدّة. وإذا نجوت من جرائمه، فلن تنجو من عينيه اللتين لا تنفكان تبصقان على العالم والكون والإله. ذلك التواطؤ مع البؤس دفعه مرّة في مقالته «فلسفة التكوين» التي نشرت عام 1846 في «مجلة غراهامز»، إلى القول بأن «وفاة امرأة جميلة هو حتماً الموضوع الأكثر شاعرية في العالم». تصب هذه اللوثة الشعرية في صلب تجربة بو، بدءاً بباكورته «تيمورلنك، وقصائد أخرى» (1827)، وصولاًً إلى محاضرته الشهيرة «المبدأ الشعري» التي قدّمها قبل حوالى شهر من وفاته في فندق Exchange في مدينة ريشتموند. ناقش بو نظريته الشعرية، ووضع أفكاراً تفضي إلى أن القصيدة ينبغي أن تكتب لمجرد أن تكون قصيدة، خالية من «التعليمات المفيدة». الشعر هو الفن، وبالتالي يجب التركيز على الجمال النقي والجماليات، كما أن «القصيدة يجب أن تكون قصيرة، لتقرأ في جلسة واحدة». صنع بو من أفكاره هذه مانيفستو طليعياً للشعر الحديث، نال استحسان بودلير ومالارميه وبول فاليري وغيرهم. معظم أفلام الرعب والإثارة العالمية لا شيء أمام جملة واحدة من قصيدته «الغراب»: «والغرابُ لم يرفَّ بجناحيه أبداً. ظلّ جالساً. ظلَّ جالساً على التمثال النصفي الشاحب للآلهةِ «بالاس» فوق باب حجرتي وعيناهُ قد اتّخذتا الهيئة كلَّها التي لعَيْنَيْ شيطانٍ يحلمُ. والمصباح من فوقه سيّال ينفثُ الظلالَ على الأرض».