في عمله الجديد «مجانين بيت لحم» (نوفل- بيروت)، يبدو أسامة العيسة صريحاً وهو يفتتح الرواية باعتراف يقول بأنه قد تقمّص شخصية الراوي في مراحل مختلفة من السرد، إضافة إلى اتخاذه هيئة الراوي كُلّي المعرفة في مراحل أخرى. ليس هذا فقط، توارى خلف بعض الشخصيات «كي لا يكشفني أحد». هو يفعل ذلك تحت واقع ظروف وأحوال منطقة الدهيشة التي ينمو على جغرافيتها العمل، فتبرز كأنها بطلته الأبرز.

مع ذلك، يؤكد المؤلف أنّ حالة الالتباس التي سيقع فيها القارئ وستدفعه قسراً للمقارنة بين الراوي والمؤلف، لن تسبب له أيّة حساسية ولن يجهد لنفيها. إنه اعتراف يأتي ممهداً بتنويه لازم يهدف إلى توضيح الدافع الذي يذهب بالفلسطينيين إلى مخاطبة الكائن الذي تظهر عليه علامات الجنون بغرض ممازحته أو حديثهم للشخص الذي لا يتمنون أن يبقى بينهم بقولهم «أنت لازم يرسلونك إلى الدهيشة».

على هذا، تبدو «دهيشة المجانين» منطقة مناسبة في عين المؤلف لسرد تاريخ الجنون في بيت لحم التي تبدو كصورة مصغرة لهيئة فلسطين الكبيرة وناطقة بلسان حالها، لكن بنبرة قاسية وجارحة وربما غير مسبوقة في التعامل مع الحالة الفلسطينية كتابة.
لكن هناك «احتراز» يتخذه المؤلف قبل الدخول في «جنون» بيت لحم. يكتب قبل الغوص في سرده: «في هذه الراوية- الشهرزادية، قليل من الحقائق، كثير من الخيال، وثرثرة تماماً مثل الحياة». كأنه يرى أن هذا «الاحتراز» كفيل بتخفيف حدّة الجنون الذي يكتسح بيت لحم، وإنه بحاجة لقليل من العقل كي يبدو مقيَّداً ومضبوطاً، فلا يتحقق ذهاب الجنون إلى مداه.
على هذا، ينتهي الاحتراز ويتحقق الاعتراف ليكون الطريق ممهداً لـ «سفر تكوين». مغامرة يقترفها المؤلف غير آبه بمدى قدرة القارئ على الذهاب في رحلة تاريخية طويلة امتدت عبر مساحة غير قليلة من العمل ليشرح الأصل اللغوي لكلمة «الدهيشة».
اجتهاد أثقل السرد وجعله يبدو كاجتهاد توثيقي صرف بعيداً من التصنيف المكتوب على غلاف العمل ويقول بأنه «رواية». كان لهذا الاجتهاد أن يظهر في عمل بحثيّ جيّد لو أتى منفصلاً عن «مجانين بيت لحم». اللافت أن المؤلف يبدو منتبهاً لاستطالة المساحة التي نالتها تلك المقدّمة الثقيلة ليقول لقارئه بأنه إذا تحمّل القراءة إلى هذه النقطة التي وصل إليها، فهذا يعنيّ أنه قد صار جاهزاً لـ «الدخول في عالم المجانين، بما يستدعيه ذلك من تزوّد بصبرٍ، لا يتوافر دائماً».

السروال الأبيض الذي رفع كراية استسلام، سيكون سمة الزمن العربي

إثر ذلك، يأتي الجنون مجسَّداً عبر شخصيات تتقاسم تشردها وفناءها داخل السرد بنسب متفاوتة «في بلاد أصبح الموت فيها عادياً»، فكيف لا يكون الجنون حينها ممتلكاً لحالة من التمدّد والقوة التي تجعله قادراً على الإمساك بمصير الناس هناك؟ هذا إضافة إلى احتلال يتعمّد أخذ الأسرى إلى جنونهم عبر خلطهم بأسرى آخرين مصابين بحالات نفسية، فلا يكون الاحتمال ممكناً مع زيادة الضغوط والحالة غير الطبيعية المحيطة بهم من دون التغاضي عن طبيعة طريقة التحقيق والتعذيب التي يتعرضون لها.
تبدو حالة ابن المخيّم يوسف علان نموذجاً هنا، هو الذي قُبض عليه بعد احتلال الجيش الاسرائيلي للضفة الغربية وتم ضربه إلى درجة وصوله إلى نقطة الجنون النهائي. تحكي والدته الطريقة التي تعرض لها حيث «ركزوا ضربهم على رأسه، أرادوه مجنوناً، وكان لهم ذلك».
وسيكون لافتاً تعمّد الراوي عدم إفلات أفراد عائلته من سياق السرد. يظهر والده المستقر في مكانه منتظراً قدوم الجيش العراقي من أجل إنقاذ فلسطين قبل سقوطها النهائي في هزيمة الـ 67، لكن «تبيّن للجميع أن الجيش الذي دخل المخيّم لم يكن هو الجيش الذي انتظروه». يضطره هذا لرفع راية بيضاء، فلم يجد غير سرواله الأبيض ليرفعه عبر خشبة يتم تثبيتها على مبنى وكالة الغوث: «لم يدرك والدي حينها أن سرواله سيكون سمة وشارة لزمن عربي ما زالت تعيشه أجيال متعاقبة».
على سياق هذا الجنون العاقل والمدرك لمصيره، يتواصل تقديم الشخصيّات عبر بورتريهات شخصية لا يبدو العشق وأمراضه بعيداً منها. تظهر الفتاة التي تطلق النار على نفسها بعدما فقدت أملها في الوصول إلى مراد قلبها، والرجل المريض بتعلّقه بطليقته التي ترفض عودتها إليه ولن يلقى حلاً سوى التخلّص منها برصاصة يتبعها بأخرى لكنّ في اتجاه قلبه هو.
يظهر الفلسطيني هنا فرداً عادياً متخلصاً من حالة التأليه والقداسة التي وضِعَ فيها قسراً وجعلته معلّقاً بقضية لم يتنكّر لها، لكنّ مع حقه بأن يعيش حياته العاديّة مثل الآخرين.