أحمد الملا *


1


يومَ هجمْتُ

تقبّلتْني عنيفاً
واحتملتُها تتمرّد.
كنتُ أشدّ شعرها،
وبقبضة غزيرة أسحبه،
مقوّساً عنقها عن آخره.
مرّة أجرّها بين ساقي
وأصعد بجسدها المنهك،
ومرّات عدة

تحملني،
نسبح بلا سرج
ونسبق الخيّالة المدربين.

تلك حياتي
لم تربطْني شجرةٌ
بوتدِها،
ولا رميتُ حبالي في بئر،
نثرتُ زوّادتي ومضيتُ
بثوبٍ واحد.
بريّةً
عسفتُها
بساقين صلبتين،
وكلَّ طريقٍ شققناها معاً
بخطًى، ابتكرَ معدنَها الذهابُ.

تلك حياتي
يا لَكثرتها يومَ هجمتُ.
قفزتُ بلا هوادة
ارتجلت الهواءَ
والأرضَ شفاهة،
وحيثما شئت
غنيتُ
وشببْتُ ناري.

تلك حياتي
ما زجرتها مُقبِلةً
ولا روّضتني مُدبِرة.
عضضتُ رقبتَها
شققتُ عن رخامِها
ونهضنا معاً في الرقصة،
بشوقٍ لم نفسّرْهُ
وإقدامٍ لا يدري إلى أين.

تلك حياتي
في أعالى المياه،
أغواني طعمُها،
حَرَنَت،
وبسنّارة صدئة شقّتْ لهاتي،
حتى طلعتُ معلّقاً،
أنتفضُ،
منزوعَ الهواء.

تلك حياتي
نهتْني عن إفشاء لذّتها،
أن أكتمَ كلَّ ما تبديه لي
وبإبهامٍ مشقوق
ختمت عهد الدم
أن لا أبوح لأحد.
خنتُها وسَرقتُ النظرةَ الثانية.
وفي قاعِ الفخِّ
نهشتْني الكلماتُ
بأنيابِها،
ودوّنت ما رأيت،
جرى السمُّ في دمي،
أغمضتُ
ورحتُ أتلو ما جرى.
عندها اصطدمتُ بمرآةِ الكلام،
تهشّمتُ،
انطفأَ النفق الى الأبد
وجلستُ وحيداً
يتذكّر ما رأى.
تلك هي حياتي
وأدارتْ ظهرها.


2


طفلٌ أحبّه الظلام

كنتُ الطفلَ الذي أحبَّ الظلام
وأحبَّه،
يغمسُ يدَهُ لتقطفَ في العماء
ولم تخذلْه مرّة،
يأتي بطبولٍ وهمهمات
يتشقّق منها الألم،
يأتي بنداءِ الرعاة والصمت النَّهم للصيادين،
يأتي بغناءِ الفلاحين
فتنبتُ أجنحة،
يأتي بزفراتِ النساء في الطَّلْق،
يأتي بأرواحٍ وأشباه الطير
يطلقُها تتقافزُ فوقَ رأسِه
في هالةِ الظلال.
كنتُ الطفل،
يُحسِنُ الرقصَ حافياً
وحاسرَ الرأس،
يخلعُ ما تبقّى من كلامٍ ومعنى
ويرقص،
ترجفُ أناملُهُ
ليس خوفاً ولا رغبة،
تلك ضراوةُ المسٍّ
ينبضُ تحتَ قبّةِ الوجدِ آخرَ الليل،
حين يستسلم العَصِيّ
ويرفع فمَهُ برقبةٍ متفصدة
يزجرُ الذئابَ عن قمرِه الثاقب.

ثمّة خصلة يمشّطُها بأصابعِه
كانتشاءٍ دافق
وصرخةٍ مكتومة،
يعضُّ خصرَها
ويمرح خلالَ غابتِهِ الفتيّة،
يربّي غزلانَها ويمكرُ بالوحش.
الطفلُ الذي طواهُ الظلام
مثلَ جنين
وعاد مولوداً على عتبةِ الفجر،
تحيطُهُ ظلالٌ
تراصّتْ مثلَ جيشٍ
يدافعُ عن تاجِهِ بذراعيه.
هكذا اطمأنَّ لظلامٍ لا يعوّلُ على القنديل.

الطفلُ
ينهضُ كتفاً بكتف،
سادّاً النوافذَ والأبواب،
خالعاً على المخادعِ والأسقف
غطاءَهُ الغامضَ والصريح.
كنتُ الطفلَ
يحتمي بالظلام
ويحميه
من أحلامٍ توقظُهُ
وتشعلُ الضوءَ فجأة.
الطفلُ الذي ذهبَ في رحلتِهِ مبكّراً
وعاد بالدهشة
تتطافرُ من يديه
وعيناه تبرقانِ ممّا رأى.

هو الطفلُ الذي غنّى لهم
بعدَ أن أعياهُ الكلام،
طفلُ الحكايةِ الطالعة من العتمة،
طفلُ القصصِ المبتكرة
على لسانِ الأبِ الوحيد،
طفلُ الرواة الذي لا يكبرُ أبداً،
يرقصُ محتفلاً بخفّةِ الأمسِ في غيابِه
ويلاطفُ الليل
ليفهمَ ما ترغبُ الكلماتُ قولَهُ وتعجزُ عنه.
الطفلُ الذي يعرفُ الظلامَ بأناملِهِ
ولا يجيدُ لغةً ناقصة
يصرخ،
يشهق،
يغوصُ ويدور
رافعاً جسدَهُ برجلٍ واحدة أو يكاد.
الطفل لم يعد يمشي خَبَباً،
يهتزُّ،
يضطرب،
يجيشُ،
يتخلّع،
يتفكّك ويحلّقُ في هواءٍ مشبعٍ
بطبولٍ تدقُّ منذُ الأزل.
* شاعر سعودي