قصة كيبار كريستين أوزباي

ترجمة عن الكردية: حليم يوسف
استيقظتْ على رنين هاتفها الجوال. مدتْ يدها مغمضة العينين. تناولت هاتفها الجوال. دققت في شاشة الهاتف الصغيرة. كان على الطرف الآخر من الخط صديقها الجديد الذي تلتقيه خفيةً منذ أيام.
ضغطت بفرح على زر المحادثة قائلة:
- ألو.
كان صوت امرأة، سمعتها وهي تصرخ:
- أيتها العاهرة، ماذا تريدين من زوجي؟ ألم تجدي في كل هذه المدينة رجلاً غير زوجي لتتمددي تحته ويُطفئ نارك المشتعلة؟ إذا كان الأمر بهذه الخطورة يمكنك استدعاء الإطفاء، فقد يستطيعون إخماد النيران المستعرة في داخلك.

لم تستطع تحمل سماع المزيد. أغلقت الخط غاضبة. بقيت صامتة. أحست بأن الأرض قد توقفت عن الدوران. شعرت بصداع مفاجئ. كيف استطاع الرجل خداعها. منحته ثقتها بهذه السرعة واذا به متزوج. وذلك البيت الذي يلتقيان فيه بشكل يومي، بيته إذن. كان قد أخبرها بأن البيت يعود لأحد أصدقائه وهو لا يتواجد فيه الآن. أحست بنفسها مغدورة. استغربت من نفسها ومن سرعة منحها الثقة لأناس لا تعرفهم، وخاصة الرجال منهم. يبدو أنها لم تستفد من ذلك الانقلاب الكبير في حياتها. وبقيت سماتها الشخصية هي هي لم تتغير. لا تملك القدرة على الشك في الآخرين والتعامل معهم بنفس الوقت. هكذا كان الأمر في تجربة زواجها أيضاً. وكذلك زوجها الذي أمضى ست سنوات طويلة تحت سقف واحد، ولم يعد ذاك السقف موجوداً. مرت سنتان على طلاقهما. لطالما نبهها أصدقاؤها والبعض من أفراد عائلتها الى سوء سمعة زوجها وعدم إخلاصه لها، لكنها لم تصدق أحداً. لم تكن تستطيع أن تعيش مع زوج تشك في صدقه في العلاقة معها. الى أن جاءت تلك اللحظات التي وجدته فيها يضاجع فتاة في الثامنة عشرة أو التاسعة عشرة من عمرها. لم تتحمل رؤيته في ذلك الموقف المخزي، فأغمي عليها وسقطت أرضاً. فتحت عينيها، فوجدت نفسها ممددة على سرير في المشفى. بقيت لأيام وليال طوال تتناول أدوية مخدّرة وهي تتأرجح بين الحياة والموت. كانت تود أن تفتح عينيها، لكنها أحست بثقل حديدي يغلقهما. وهكذا كانت تنام حيناً وتستيقظ حيناً آخر. لم تكن الأدوية المخدرة تعطيها المجال لتتعرف على مكان تواجدها. كانت ضائعة ويزيدها التفكير في ما حدث غضباً على غضب. أيام مضت، كما في الأحلام، كلما أتى ذلك الرجل، كانا يمارسان الجنس لساعات، ثم تدخل معه الحمام. كانت تلك متعتها الكبرى. أما الآن، فهي تكره الحمام وتنفر من الجسد المبلل بالماء. انتشلتها برودة الماء من الأفكار المتزاحمة في مخيلتها. خرجت من الحمام. لفّت جسدها بالمنشفة. ارتدت ثياب النوم، وذهبت الى الفراش. تلاطمت أمواج الأفكار في رأسها من جديد ومدت يدها لتناول الهاتف. رغبت في الاتصال بالرجل وفضحه، لكنها سرعان ما تراجعت عن تنفيذ ما رغبت القيام فيه. ما الذي يضمن لها أن زوجته لن ترد أو تعاود الاتصال بها من جديد، وأن تهينها كما فعلت قبل قليل. وقررت ألا تتصل بالرجل أبداً. حاولت النوم ولم تفلح. غادرت الفراش. ذهبت الى الغرفة الأخرى. لم تكن تتحمل البقاء في البيت. أرادت الخروج والالتقاء بصديقتها الأم لطفلين، الوحيدة التي تمتلك القدرة على سرد الحكاية على مسامعها. اتصلت بها، فأخبرتها صديقتها بأن لديها ضيوفاً الآن وأنهما تستطيعان اللقاء في المساء. وعندما لاحظت صديقتها الاضطراب في نبرة صوتها، بادرتها بالسؤال:
- ماذا حصل؟
صمتت لبرهة ثم قالت:
- لا أدري ما الذي حصل؟
لم ترغب بزيارة صديقتها في الحال خوفاً من الالتقاء بزوجها. بعدما أصبحت مطلقة بدأ الرجال، كل الرجال، ينظرون إليها نظرة واحدة ويتساءل كلّ واحد بينه وبين نفسه، فيما إذا كان بإمكانه أخذها الى الفراش. لذلك عليها أن تكون يقظة الى أبعد حد في علاقاتها مع الآخرين. ارتدت ثيابها وخرجت دون أن تتناول الفطور. أرادت أن تتمشى فحسب. كان المشي يساعدها على صفاء الذهن وإراحة البال. كانت تتأمل حولها وتمعن النظرفي المارة. كذلك كانت تجلس على المقاعد المرمية في الحدائق وتطيل النظر الى الأشجار. قضت يومها حتى المساء بين التجوال والجلوس في الحدائق. ردت على هاتفها الجوال وهي غير راغبة في ذلك. طلبت منها صديقتها الحضور الى بيتها. تناولت حقيبتها، وقادت سيارتها كالعادة على صوت الراديو المرتفع. عندما وصلت ترددت في الدخول الى بيتها ومع ذلك صعدت الدرج. كانت أصوات الأطفال مسموعة في الخارج وكأنهم في ساحة اللعب في المدرسة. طرقت الباب أكثر من مرة. فتحت صديقتها الباب وتوجهت الى المطبخ، فيما توجهت هي الى غرفة الجلوس تلافياً للالتقاء بضيوفها الذين لم يغادروا بعد. وبعد برهة خرجت امرأة مع طفلها من منزل صديقتها، فتنفست الصعداء. وضعت لها صديقتها بعض قطع الكاتوعلى الطاولة، وبدأت بالحديث وهي تصب لها الشاي:
- ضيفتي هذه هي جارتي السابقة. ذهبت بضعة أيام في زيارة قصيرة الى أهلها وعندما عادت الى البيت، فوجئت بالويلات التي حدثت في غيابها عن البيت.
ارتخت ركبتاها لدى سماع هذا الحديث، ورغم ذلك تابعت الإصغاء الى صديقتها:
- عندما عادت الى البيت وجدت شعرات من رؤوس النساء في بانيو الحمام وعلى كنبة الصالون. لم تحرك جارتي ساكناً. ظلت صامتة لأيام حتى رأت بأم عينيها رقماً غريباً يتصل بزوجها الذي سارع الى البلكون للتحدث بصوت منخفض مع الطرف الآخر وعاد. وانتظرت حتى وجدت الفرصة السانحة واتصلت بصاحبة ذاك الرقم القريب، فسمعت صوت امرأة تجاوبها بكلمة «ألو»، فانهالت عليها بوابل من الشتائم وأخبرتها بأن زوجها يخدعها ويقضي وقته للاستمتاع معها فقط. أرأيت كم يغصّ هذا العالم بأولاد الحرام؟
كانت تلك هي الكلمات الأخيرة التي استطاعت سماعها من صديقتها. سرت قشعريرة باردة من أخمص قدميها حتى رأسها. احتل البرد جسدها. تحولت في مكانها الى قطعة حديد بارد لا روح فيه. بعد دقائق قليلة نهضت وهي متعبة، حملت حقيبتها ومضت بصمت.

كيبار كريستين أوزباي: كاتبة كردية من مواليد 1976 مقيمة في مدينة آمد (دياربكر) في تركيا. صدرت لها مجموعة شعرية بالتركية عام 2012 وأخرى بالكردية عام2013. والقصة مأخوذة من مجموعتها القصصية الأولى «الطرحة الحمراء» الصادرة هذا العام.