ثلاث روايات تبدو زمناً كافياً استراح فيه عباس بيضون، من فيضه الشعري ليعود اليوم بمجموعته الجديدة «صلاة لبداية الصقيع» (دار الساقي ـــ 2014) متابعاً مشواره الذي بدأه منذ مجموعته الأولى «الوقت بجرعات صغيرة». كعادته، يعيد خلق أسئلة جديدة حول ماهيّة الشعر، وعلاقته باللغة والموسيقى والوجود.


الشعر مفهوم لا تعريف له عند بيضون، ولا يمتلك الحقيقة، المفهوم غير المعرّف أيضاً، وهذا ما يبدو جليّاً منذ الكلمات الأولى في عمله الجديد «أربّي قلباً لهذه السّاعة/ لكن جسدي لا يسندني إلى الأخير». يستغرق في اليوميّ، والواقعي بعيداً من العواطف المستهلكة، والبلاغة المتعالية، والرومانسية الممجوجة. من هنا يعيد بيضون لقارئه، شريكه في النص، التساؤل حول مدى شعرية النص النثري، فعباس لا يكتب قصيدة، بالمعنى الكلاسيكي للكلمة، وإنما يجترح من اللغة ما أمكن من بساطتها لمقاربة مواضيعه التي تشبهه كما تشبه الناس جميعاً ما يجعل عناوين كـ «خارج الصفحة»، «متقاعدون»، «نقود لمواصلة أحلامي»، تبدو لصيقة بالنصّ كالتصاقها بكاتبها وقارئه. وهو إذ يتخلّى عن البلاغة، يتخلّى في المقابل عن الشكل، حيث التقطيع ورصف الكلمات تحت بعضها لن يمنح الكلام صفة الشعر، ما يجعله مستمرّاً بكتابة نصّه وفق الشكل الذي يراه أقرب إلى الموضوع. القصيدة عنده موضوع وفكر، أكثر من كونها شعوراً، وإن بدت في شكلها النهائي مفعمة بمشاعر تتمظهر من العلاقات الشائكة بين العناصر المكوّنة للنص. وبالنسبة لبيضون الشعر أيضاً لا يصنع القصيدة. وبذلك يكون قد تخلّى عن كلّ المقومات المتعارف عليها، ليبتكر نصه النثري الخاص جدّاً. والمتمايز دوماً، على طول تجربته الشعريّة. يحضر بيضون في «صلاة لبداية الصقيع» كراعٍ يسوق قطيعاً من الكلمات. يمنحها الحريّة لتقول كوامنها، من دون أن تفلت من صرامة انضباطه، ومن دون أن يستعصي أمر على قصيدته. فالحياة بكل تفاصيلها، بما قد يبدو تافهاً منها، هي موضوع يمكن للنصّ أن يرتقي به لدرجة السؤال «أحلم بقلع ضرس. ذلك يعادل أن أمشي حافياً أو أضيّع ورقة لعب. قلع ضرس يخلّف ذكرى تبتعد على ظهر طابع بريد. يشبه ذلك أن نرمي نرداً بين الغيوم». وكذلك يمضي في تقمّصه جوهر النثر، حيث هو أسلوب حياة وليس أسلوب كتابة. ما يجعل تفاصيل الشاعر، بما فيها الحميمة منها، موضوعاً لكثير من النصوص فيقول في قصيدة إلى أختي «تعرض نفسها على قضاتها العابسين لكنهم يخبرونها أنّ وقت العدالة، لهذه العائلة، لم يحن بعد». في عمله الجديد، يواصل بيضون ألاعيبه الشعريّة المتقنة، محتالاً بها على حياة تمضي، وزمن يبدو ثقيلاً. فالحياة، بعد هذا الاختبار الطّويل، تثبت شبهها بلعبة الشطرنج «ستقتلني في مربّع وأعود حيّاً في مربّع آخر، وسيتكرّر ذلك في باقي المربّعات» وهو ما يحاول مقاربته في قصيدة موجعة بعنوان «المتقاعدون» حيث الزمن يتمدّد بطيئاً، والنهار لا يكتمل «ورغم أنّهم ستينيّون فإنّهم يشعرون أنّهم لم يتركوا وقتاً وراءهم، إنّهم بالكاد عاشوا. لقد امتهنوا الحياة التي مثل طابع بريد، أرسلتهم إلى الضواحي والحدائق الخلفيّة حيث يشربون البيرة في الظل. يقرأون أكفّهم التي يسقط كلّ يوم منها طالع آخر». وأمام هذه الصلة الوثيقة بين النثر والحياة، يبدو منطقياً ألّا يغيب الصخب الدائر حولنا عن نصوص بيضون الجديدة. لكنّه هنا أيضاً لا ينساق خلف ضجيج الكلمات الكبرى، والمصطلحات ذات الرّنين، بل يلجأ إلى اللغة البسيطة، كأّنه بذلك يقاوم القوّة بالضعف، فاضحاً هول الكارثة «في لوبي الفندق ناجون من الثورات أحضروا معهم، من أرض المعركة، مسدسات مطاطية مملوءة خمراً» ممهّداً بذلك لنهاية النص القائلة « الخيانة بدون رائحة ولا بدّ أن نقطع رأساً لتصبح حقيقة» هي مفاهيم جديدة يطوّعها بيضون لتكون حاملاً لنصوص تأتي في زمن الاستسهال الشعريّ لترجع القارئ إلى نصوص مشغولة بإتقان، تضع تفاصيل الحياة تحت مجهر يتيح له أن يرى بوضوح ما لم يكن منتبهاً له. الرموز هنا ليست تجريداً، بل هي مفاتيح يضعها بيضون بين يديّ قارئه تاركاً له أن يفتح بها ما يشاء من بوّابات حياته، بينما ينشغل هو بتأليف مقطوعة عن حياته تضعنا أمام أسئلة وجوديّة ملتبسة رغم ما تبدو عليه من البساطة «أريد أن أكتب مقطوعة عن حياتي. قد يكونون أخطأوا في تاريخ الولادة. قد يكونون أخطأوا في كلّ شيء. شخص غيري هو الذي يحمرّ أمام الجميع ولا يحسن نقل كلماته التي يقولها بدون أن يقصدها. شخص آخر سرقت حياته. قد يكون طويلاً وضخماً لكني اختصرته. قد يكون ناجحاً وبارعاً لكني جعلته يفشل في امتحان البكالوريا. وخفية عني نجح في أمور أخرى».