عواد ناصر

عيناكِ غامضتانِ مثل قصيدةٍ حديثةٍ،
لكنّهما أجمل من قصائدي،
عيناكِ تؤديانِ وظيفةً جماليةً ملموسةً هي قراءةُ ما أكتبُ
بينما قصائدي تفترضُ جمالاً ما
وأنتِ في حَيرتي أكثرُ التباساً من الشعرِ،
الشعرُ صناعةٌ وعيناكِ ريادةٌ.

......
......
قلتُ أبحرُ
عَبرَ المياهِ المتاحةْ
عَبرَ أحلامِ كتْبي التي حلُمتْ مثل حُلْمي،
عَبرَ فجرِ النعاسِ العراقي..
إن أردتِ الصراحةْ:
أنا أبحرتُ حتى الغرقْ
كيف أبحرتُ في زورق من ورقْ؟
لم تعد أبجديةْ
عندما صعدَ العشبُ نحو نافذتي بادئاً بأصابعِ رجليْ،
فتهجأت حَلْمةْ
مثلما أتشرّبُ بعضَ المطرْ
وكثيراً من اللغةِ الغامضةْ
(لا يجيدُ سوى الشعراءِ اختصار اللغاتِ جميعاً
بكلْمةْ).
عندما بلّلتني بُويسَةُ امرأةٍ لستُ أعرفها،
ثم غابتْ وما تركتْ ما يدلّ عليها،
غيرَ ما تتركُ العابراتُ العجولاتُ من حَيرةٍ عابرةْ:
قبلةً ماطرةْ.
ذاك ما كان أمس ليصبحَ مستقبلَ اللغةَ الحائرةْ.
والذي لن يكررُ أحداثَهُ أبداً
هكذا،
مرّت امرأةٌ بين قوسي حياتي،
اقتباساً يعزّز مقترحاتي التي فشلتْ دائماً،
وعليهِ سأعدلُ عن قبلةً تتكوّنُ عَبرَ الزجاج المبلّلِ
بالمطرِ الإنكليزيِّ،
كيف أترجمُها..
وأنا لستُ غيرَ محاولةٍ لبناءِ المثلثِ
من صدفةِ الدائرة؟
حسناً، سوفَ أهدمُ هذا المثلّثَ..
من دونِ أي ذريعةْ
ولأن عينيك تشبه بيروتَ في الحربِ
تُهرعُ للبحرِ، ما بين قصفٍ وقصفٍ،
لكي تتمتعَ بالعرقِ المنزلي المغمّس بالحربِ والشمسِ،
سوف أسافرْ
إلى الفاكهانيّ، ثانيةً، يا شراعاً مسافرْ،
جارةُ القمرِ الفستقيِّ دعتني إلى قهوةٍ والعراقيون أبناء مدرسةِ الشايِ،
قلت غني قليلاً
فأكملتِ الأغنية:
«انكتبوا بالدفاترْ».
.....
.....
(فيروز في بغداد والشعراء والصور. رفض الرحابنة الغناء تحت صورة الرئيس ونائبه المثبتة على خلفية المسرح، فكان لهم ما أرادوا،
بينما حار صديقي (محمد صلاح) بتدبير كأس عرق داخل الصالة، فما كان منه إلا أن ملأ قنينة بالعرق (طبعاً مزجها بالماء) خبأها في جيب جاكيتته الداخلي بعدما ثقب غطاءها بمسمار صدئ ليشرب بقصبة بلاستيكية. بينما كان شاعر عراقي يهتف على الرصيف المقابل: «يا معودين، أوقفوا الحرب في لبنان لخاطر فيروز»).
.....
.....
إن عينيكِ غامضتانِ،
وقلبي قليلٌ على سعةِ الآنيةْ،
ربما سنسافرْ
كشراعٍ مسافرْ،
ويبقى زيادُ الصغيرُ، صغيراً، على كتفِ الأمِّ ينفخُ ناياً صغيراً
وهناكَ، على الشرفةِ المائلةْ
تتشاغلُ ريما بتأليفِ أحلامِها المهملةْ
وتعيدُ صياغتَها،
وتؤجّلها لتعيدَ صياغتَها، مرّةً ثانيةْ
مثلما أغنيةْ.
كشراعٍ مسافرْ
لنبلغَ، يوماً، دمشقَ التي لا تسافرْ.
.....
.....
وهكذا، في عَتمةِ شعرِكِ الطويلِ يمرّر الكلامُ أصابعَهُ ليشعَّ من ساحلٍ بعيدٍ بحرٌ من الشَعَرِ الطويلِ (حتّى لو كانَ شعرُك قصيراً) الأسودِ (حتّى لو كانَ مصبوغاً) والماكياجُ هو التفوّقُ النسويّ الوحيدُ ليجعلني أفتخرُ بحلاقة ذقني فقط، ولا شيءَ يشقُّ اللغةَ ساحلينِ: أنتِ هناكَ وأنا هنا. سيارةٌ مفخخةٌ قتلتْ مئةَ كأسِ نبيذٍ وكسرتْ عشرةَ أقواسٍ في شارع المتنبّي. همنغواي وليرمنتوف وأغاثا كريستي وعلي الوردي وعبد الحسن الشذر ويوسف عمر وزهور حسين وشيركو بي كه س وصنع الله ابراهيم وإيليا أبو شديد وسعد الله ونوس ورياض صالح الحسين وجودت فخر الدين من بين الجرحى.
من يشفعُ للعاصفةِ إذا لم تعثرْ على سفينةٍ تتحطمُ على جُثثِ الغرقى؟
قناديلُ خضرٌ تلمعُ تحتَ إبطيكِ وقصيدةٌ ترتعشُ منتشيةً بعزلتِها وهي تنتجُ مياهاً ليست مالحةً لبحرِ شعركِ الطويلِ (وإن كان قصيراً) والأسودِ حتى لو كانَ مصبوغاً.
لندن – 14 تشرين الثاني (نوفمبر) 2014
* شاعر عراقي