بعد أربع سنوات من التمرّدات والانتفاضات العربية، تضاعف عدد الكتب والمقالات البحثيّة إلى درجة مرعبة. لكن عند التدقيق في النوع، سنجد بأنّ المستوى لم يرقَ إلى درجة الصحافة اليوميّة العابرة، بل إنّ المقالات اليومية كانت، في الغالب الأعم، أهمّ بدرجات من «الأبحاث» المتّسمة بلغة قطعيّة تثير الحسد. ولكن في الأشهر القليلة الماضية، بدأ الوضع بالتغيّر؛ استمرّت كتب المقالات في الصدور ولكن بروح جديدة. تلاشت الأفكار القطعيّة، وحلّت محلّها لغة التحقيقات «الموضوعيّة». عادت الصحافة إلى الميدان، بعدما كانت أسيرة عرش النخبويّة أربع سنوات.

حازم صاغيّة أحد أهم الصحافيّين العرب. وبصرف النظر عن المراحل التي مرّت بها مسيرة أفكاره، إلا أنّ الثابت كان بقاؤه بمثابة المنظّر الوحيد (أو الأهم في أدنى الأحوال) في التعليقات السياسيّة خلال الانتفاضات.

أفكاره مصدر إلهام لكثير من مجايليه والأجيال التالية، بحيث يمكن القول إنّ ثمة مدرسة «حازميّة» قد بدأت بالتوضّح منذ ثلاث سنوات تقريباً، وإنْ كان معظم مريدي تلك المدرسة أقل مستوى بما لا يقاس من «معلّمهم». كان المريدون يفتقرون إلى نقطة القوة لدى صاغيّة: أي الخبرة الميدانيّة الطويلة التي أتاحت له موقع تصدير الأفكار القطعيّة. أما هم فكانوا مجرّد أصداء باهتة لصوته الحاسم، من دون أن ينتجوا، أو يطمحوا لإنتاج، أفكار خاصة بهم.
من هنا بالذات تنبع أهميّة كتابه الأخير «شعوب الشعب اللبنانيّ: مدن الطوائف وتحوّلاتها في الحرب السوريّة» الذي كتبه بالمشاركة مع بيسان الشيخ، وصدر عن «دار الساقي». سنشهد في هذا الكتاب عودة صاغيّة إلى الصحافة الميدانيّة بعد سنوات طويلة من معارك التعليق السياسيّ وسجالات المكاتب والشاشات. يقوم الكتاب على 13 جولة صحافيّة قام بها الكاتبان في مختلف المناطق اللبنانيّة بين أوائل عام 2013 وأواسط عام 2014، لالتقاط التفاصيل الجديدة بعد «الربيع العربيّ»، وبعد الحرب السوريّة المجاورة خصوصاً.

فصلا طرابلس والنبطيّة يختزلان المشهد اللبنانيّ برمّته
وتشير مقدّمة الكتاب إلى أنّ السبب الآخر لإصدار هذا الكتاب (نُشرت تحقيقاته في صحيفة «الحياة») هو تبيان «أولوية العمل الميدانيّ في ظل تهالك ما هو سائد لدينا من أفكار كبرى». ولا بد من الإشارة بدايةً إلى أنّ بيسان الشيخ تبدو غائبة في معظم مفاصل الكتاب، بينما كانت الغلبة في الأسلوب وصياغة الأفكار لحازم صاغيّة. نجد هنا أسلوبه الدقيق في الكتابة المستند إلى الاختزال الرشيق، والاتّكاء على مقدّمات منطقيّة تُنتج في نهاية المطاف أفكاراً إشكاليّة تبتعد، بهذا القدر أو ذاك، من المقدّمة التي انطلقت منها. وكذلك، سنجد بأنّ الروح السجاليّة قد تبدّت في الحديث عن طرابلس، النبطيّة، وبعلبك، وعلى نحو أقل عن مرجعيون، بينما كانت الموضوعيّة الهادئة تسود باقي فصول الكتاب.
إذاً، تبدّت الروح السجاليّة عند الحديث عن المدن ذات الاستقطاب الطائفيّ الطاغي، بخاصة في ظلّ الدرجات العالية التي بلغتها حدّة الاستقطاب السنّي - الشيعيّ في السنوات القليلة الماضية. بل إنّ الوضع السوريّ لم يكن أكثر من خلفيّة للمشهد رغم إفراد عنوان فرعيّ له على الغلاف. نتحدث هنا عن هذا الاستقطاب بالذات، وتجلّياته على المدن اللبنانيّة الطائفيّة، لا عن «الحرب السوريّة»، إذ لم يكن الحديث عن هذه الحرب يتم إلا في نهاية كل فصل للتطرق إلى وضع النازحين السوريّين الذين يبدو من الواضح أنهّم الهدف الأول لعنصريّة الجميع، بصرف النظر عن الطوائف أو درجة الاقتراب أو الابتعاد من الانتفاضة السوريّة. «أن تكون مؤيداً لثورة ما شيء، وأن تكون مؤيداً لناسها شيء آخر»، كما تشير العبارة الدقيقة في الكتاب. تحضر عبارة «النظام السوريّ» أكثر من حضور كلمة «سوريا» أو «الثورة» أو حتى «الحرب». بل إنّ تحوّل توصيف الوضع السوريّ من «الثورة» إلى «الحرب»، على الغلاف بشكل خاص، يشير إلى أنّ زمن اليقينيات قد انتهى، وبدأ زمن الفوضى، وإعادة تعريف البديهيّات.
يمكن القول إنّ فصلي طرابلس والنبطيّة يختزلان المشهد اللبنانيّ برمّته، بخاصة في ظلّ توحّد الدروز تحت قيادة جنبلاطيّة طاغية، وانقسام المسيحيّين بين طرفي النزاع. بل إنّ هذا التركيز الكبير على ثنائيّة طرابلس- النبطيّة، أو السنّة - الشيعة، شديد الدلالة، إذ يعني ببساطة أنّ اللبنانيّين لم يكونوا بحاجة إلى «عدو» كي يكتشفوا انقساماتهم، بل كان «العدو» الجديد هذا، ممثّلاً بالوضع السوري والسوريّين، هو المشجب لتعليق الخطايا. كان العدو حاضراً دوماً، ولو تحت قناع. كانت المعادلة اللبنانية الأبرز منذ الطائف تقوم على أهميّة أن نعرف عدوّنا لا حليفنا: ليس المهم معرفة نحن مع مَن، بل نحن ضدّ من. وعند التدقيق في العمق، لن نجد فوارق كبيرة بين تضاريس المدينتين عملياً رغم البعد الجغرافيّ. كثير من العبارات التوصيفيّة في الكتاب تصلح لأن تكون معبّرة عن المدينتين معاً، رغم الانحياز الذي تبدّى خصوصاً في فصل النبطية، إذ كان الغياب الاضطراريّ لأسماء المتحدّثين سبباً في غياب الموضوعيّة بحيث لم يعد القارئ قادراً على تمييز صاحب الأفكار؛ أهو الكاتبان أم المتحدثون أنفسهم؟! بينما كان المتحدّثون في فصل طرابلس واضحين بدرجة كبيرة؛ كان بوسعنا تمييز اختلاف النبرات والحساسيات والأفكار بين المتحدثين، فيما بدت النبطيّة تتحدث بلسان واحد لا درجات فيه، عدا عن بقاء كثير من العبارات من دون دليل، بل بدت فجّة اتّهاميّة أو تعميمية على نحو كبير، كما عند الحديث بأنّ من يخرج عن طاعة حزب الله «يجد نفسه مطالباً بسداد كل قرش تكبّده الحزب على بيته أو أبنائه أو طبابة فرد من أفراد أسرته»، أو أن الأرزّ رُشّ على الإسرائيليين في النبطية عند الاجتياح عام 1982، من دون أن تسعفنا الجملة التعميمية بفاعل واضح، بل بقيت أسيرة المجهول. وكذا كان اعتبار طرابلس «مدينة فاشلة» مجهول السياق، من دون توجيه اللوم إلى أية جهة، أكانت طرابلسية أم لا.
سدّ كتاب «شعوب الشعب اللبنانيّ» ثغرة كبيرة كانت تعيق فهم لبنان ككل، أو لبنان الطوائف، أو لبنان المدن. سنجد هنا صورة قاتمة عن الوضع اللبناني المتفجّر بالتوازي مع الزلزال السوريّ المجاور، بخاصة أنّ «ما يقلق في الحاضر هو، بالضبط، تذكّر ذاك الماضي وما آل إليه». بل إنّ توصيف طرابلس يصدق على جميع المدن اللبنانية والسورية الآن، إذ هي تعيش «حرب الفقراء اليومية»، وهي، كمثيلاتها، «لا تعمل ولا تلهو. إنها تصلّي وتقاتل». وربما ستنفع هنا استعارة المعادلة اللبنانية الأهم، وإنْ بشيء من التحوير، إذ ليس المطلوب اليوم معرفة ما نريده، بل الأهم توضيح ما لا نريده أن يحدث.