«نحن لا نكتب إلا بما نملك من صفاقة». الجملة التي سيقولها في ما بعد عيسى بطل روايتي «غرفة ترى النيل» هي في الأصل جملتي أنا، ألقيتها على لسانه؛ فهي تعبر عن رعبي من الكتابة الذي أستشعره كلما طافت بذاكرتي كتابات جميلة أبدعها آخرون على امتداد تاريخ الكتابة وجغرافيتها. هذا الرهاب الذي منع عيسى من النشر حتى مات، هو خوفي أنا. تعاملت مع الكتابة لسنوات طويلة كما لو كانت سلوكاً شائناً يجب أن يبقى بعيداً عن أعين الآخرين، لكنني بدأت أتجرأ وأرسل بقصصي إلى بعض المجلات.


واخترت اختبار النصوص الأولى في مكان بعيد أولاً؛ فأرسلت إلى جريدة «الأسبوع الأدبي» في سوريا، ومن بين المجلات التي دسست في صندوق البريد خطاباً موجهاً إليها، كانت مجلة «الهلال» وقد أرسلت إليها بأقصوصة نشرت، لكن في بريد القراء. وكتبت خطاباً طويلاً غاضباً إلى رئيس تحريرها أستنكر وجود اسمي في باب البريد، وكان رئيس التحرير في ذلك الوقت هو الراحل مصطفى نبيل، وهو الذي سأرسل إليه عام 2002 مخطوط كتابي «الأيك في المباهج والأحزان»، ولدهشتي فقد رد بقبول الكتاب بسرعة قصوى على ما في الكتاب من جرأة، ونشره في عدد يوليو 2002 في سلسلة «كتاب الهلال».

أنظر الآن إلى تلك المجموعة فأكتشف أنها المختبر الذي خرجت منه في ما بعد عوالمي ولغاتي. قصصها متفاوتة الطول بشكل لافت، مارست فيها التجريب في الأساليب، حتى في العناوين

وقت التقيته وتعرفت إليه للمرة الأولى أثناء مراجعة البروفات، لم يبدُ لي أنه يتذكر أي شيء عن خطاب غاضب يتلقى رؤساء التحرير العديد من أمثاله لأن تقديرهم لأي نص يختلف بالضرورة عن تقدير كاتبه! الأقصوصة والخطاب (الذي أشرح فيه من يكون عزت القمحاوي وماذا تكون الأقصوصة) هما تفصيلة مهمة في هذا السياق، لأنهما تكشفان عن مراوغات الكاتب الذي يتحرك كالبندول بين هشاشة البشري وصلابة الإلهي، بين الخجل والخوف من الكتابة من جهة، والإيمان بالذات من جهة أخرى. هذه المراوغة في ما أظن هي التي حكمت مجموعتي القصصية الأولى «حدث في بلاد التراب والطين» التي صدرت في ديسمبر عام 1992.
الخوف من الكتابة هو الذي جعلني أعتني باللغة بصرامة وأثقفها وأنحّفها إلى أقصى حد. كنت حريصاً على أن يأخذني القراء بجدية، وأما الصلابة فهي سبب الإيمان بقدرة الكتابة على أن تكون لسان حال الصامتين وأن تشكل دفاعاً عنهم. كنت الكتكوت الفصيح الذي يدافع عن المظلومين في قريته ويكشف عن دموعهم التي لا يراها العالم. وهكذا كانت النماذج البشرية من قريتي. امرأة جميلة تتعرض للظلم من زوج تافه عاطل من العمل، ومع ذلك يأتي إليها بضرّة، أم شهيد عاشت تنكر أن الأشلاء التي ووريت في المقبرة أمامها كانت لابنها. عطّلت الأم الرافضة للموت الحياة في البيت انتظاراً لعودته. لم يعرف البيت الحلوى، أو كعك العيد، لم تخلع الأسود، ولم تنتعل شيئاً في قدميها، ولم يتزوج ولدها التالي، لأن من العيب أن يسبق أخاه الكبير.
حملت المجموعة عنواناً فرعياً هو «حكايات وتصاوير»، وكنت أعني بـ«الحكايات» القصة القصيرة واحتلت الجزء الأكبر من الكتاب، وعنيت بـ«التصويرة» القصة القصيرة جداً التي تتراوح بين خمسين أو مئة كلمة، بتكثيف أقرب إلى قصيدة النثر، وعوالم أقرب إلى التجريد، تستلهم حكمة كتاب «كليلة ودمنة».
أنظر الآن إلى تلك المجموعة فأكتشف أنها المختبر الذي خرجت منه في ما بعد عوالمي ولغاتي. قصصها متفاوتة الطول بشكل لافت، مارست فيها التجريب في الأساليب، حتى في العناوين. كان عنوان القصة الأولى «الوقائع غير الشهيرة في حياة امرأة كانت جميلة مع زوجها النُص» وكانت عبارة عن متتالية قصصية تحمل عناوين فرعية تحت ذلك العنوان الطويل، ومن عناوين المجموعة كذلك «عبد الرحمن سوف يعود» و«مزرعة المشمش». وفيها بدت تأثيرات الرواية الشعبية إلى جانب عوالم الفنتازيا.
وكان استقبال المجموعة طيباً بالنسبة لكتاب أول، وربما جعلني التشجيع الأول أكثر راحة مع لغتي، فلم أعد أسعى إلى الكمال، بل إلى جماليات القص مستمتعاً باللعب بوصفه غاية الكتابة الأولى، التي من دونها لا تتحقق أي غايات أخرى مهما كان نبل مقصدها.
وقد انتظرت خمس سنوات حتى نشرت كتابي الثاني، روايتي الأولى «مدينة اللذة» ولم يكن الخوف من الكتابة وحده وراء هذه المسافة بين الكتابين الأول والثاني، بل كان الانخراط بطيبة وعَبَطْ في الصحافة؛ المهنة الأخطر على الأدب. وانتبهت بعد ذلك إلى أن الكاتب الذي يعمل في الصحافة عليه أن يتذكر دائماً أنه يمتطي نمراً، وعليه أن يتوازن فوقه حتى لا يسقط فريسة بين مخالبه.
كان تبديد تلك السنوات الخمس خسارتي الأولى التي لم أكررها؛ إذ صرت منتبهاً إلى ضرورة الحفاظ على مساحة الأدب في حياتي، وفي اللحظة التي أكتشف فيها توغلي في رمال الصحافة المتحركة أبدأ بالفرار.
بعد الكتاب الأول لم أعد إلى عالم الريف، وعندما تتابعت كتبي، سألني صديقي الروائي الراحل يوسف أبو رية هل كانت «حدث في بلاد التراب والطين» زيارتك اليتيمة للريف؟! يوسف ابن الريف مثلي، لكنه مثل محمد البساطي، عاش محتفياً ببئره الأولى، يستلهم عوالم القرية رواية بعد مجموعة قصصية.
لم يكن عندي ما أجيب به يوسف. وفي الحقيقة كان هناك سبب للابتعاد عن عوالم القرية لم أصارح به أحداً، ربما لم أصارح به نفسي وقتها، وهو اكتشافي حساسية المجتمع الضيق تجاه الكلمة المكتوبة، فهي في عرف تلك المجتمعات وثيقة غير قابلة للمحو. وأعتقد أن كل كاتب يتمنى أن تنال كتابته هذا الحظ الحسن، لكن أرشيف الإنسانية المتخم لا يفسح مكاناً لكاتب جديد بالسهولة نفسها التي يرتاب بها القرويون في أبنائهم الكُتّاب.
لم تُثر المجموعة مشكلات تذكر، ولا أعرف هل كان ذلك بسبب قلة انتشار الكتاب أم لأن الكتابة كانت متعاطفة ولم يكن بها شيء مما يراه القرويون فضائحياً، مع ذلك كان هناك خجل الانكشاف في المجتمع الصغير، صرت مرئياً وعملي محل نظر. ولم تلبث المشاكل الحقيقية أن جاءتني من وراء نشر مقال في شكل «ملامح أدبية» عن قريتي في رمضان، وقد ضمنته فكاهات شائعة على ألسنة الفكهين من أهل القرية منسوبة إليهم. ورغم أنهم يعيشون على تكرارها في جلساتهم، غضبوا من نشرها في جريدة «الأخبار» المصرية وكانت تلامس المليون نسخة يومياً في ذلك الوقت.
وبعد تسعة كتب، عدتُ إلى عوالم القرية في الكتاب العاشر. وافتقدتُ يوسف أبورية بشدة عندما صدرت روايتي «بيت الديب» التي تؤرخ لقرن ونصف من حياة القرية، لكنني كنت قد تعلمت ألعاب التخفي، وكيفية حياكة مزقة من شخصية واقعية مع مزق من شخصيات أخرى بحيث لا تصبح لأي منها أي علاقة بأي شخصية خارج الرواية. وأتأمل الآن هذه العودة إلى عوالم الريف لأكتشف أن الكاتب لا يحدد موضوعه بقرار، ولا يختار بمفرده؛ الزمان والمكان يشاركان في اختيار الموضوعات والعوالم.