أخذ عبّاس بيضون إجازة من الشعر. هكذا ظهر لنا الأمر وهو يقوم بإنجاز أربعة كتب متتالية بداية من عام 2011. قرأنا اعترافاً لشاعر «الموت يأخذ مقاساتنا»، بأنه لم يكتب قصيدة خلال تلك الفترة التي تلت حادث السير الفاجع الذي تعرض له في منتصف 2010، بل انه لم يفكر في الشعر من الأساس. مع ذلك لقيناه، العام الفائت، يُخرج لنا «صلاة لبداية الصقيع» فقلنا: لم يقدر الشاعر على ترك مهنته الأصلية وقد أثقله تركها. لكن صاحب «بطاقة لشخصين» عاد إلى الحكي والسرد مجدداً ليصدر أخيراً «خريف البراءة» (دار الساقي).
هل نقول إذاً: لقد أراد الكاتب اللبناني وضع افتتاحية جديدة لصفته الروائية بعيداً عن أحمال سيرته الشخصية التي صبغت بوضوح «مرايا فرانكنشتاين» و«ألبوم الخسارة» أولاً، وقرأنا أشياء منها في «ساعة التخلّي» و«الشافيات» في العامين التاليين؟ هكذا بقينا نتابع سرد عبّاس بيضون ونحن نحاول تمييز حياته وفصلها عن حكايا الآخرين بينما نقرأ.
هل نقول أيضاً: لقد انتبه كاتبنا إلى كل هذا، وعليه قام بإنجاز «خريف البراءة» التي سنلقى فيها عبارته نفسها التي اشتغل عليها زمناً طويلاً وقام بتربيتها؟ لكن لن نجد شيئاً من حياته أو نتفة من سيرته الماضية. سنجده يستعير بعضاً مِن صفاته كي يلصقها بصفات شخوصه ليشبهوا هيئته وكيفية امتصاصهم لما كان يحدث له من دون أن يمزقه شخصياً، وكأنه يحدث مع غيره. سنرى ذلك من خلال وصفه لغسّان وهو رأس الرواية وعمادها. وتبدو المسألة هنا عفوية حتى وهو يستعير أسماء كتبه الشعرية ليضعها في قلب روايته. لهذا، لن نستغرب ونحن نجد «الوقت بجرعات كبيرة» وقد صار في قلب الرواية بصيغة «القتل بمقادير كثيرة»، حيث في «خريف البراءة» ذلك القتل الكثير نفسه الذي يبدو في سياق يناسب الكمّية التي تؤكد معنى حضوره على ذلك النحو الذي سيكون في مواجهتنا ونحن نذهب متقدمين في متابعة السرد.
على هذا النحو، نجد بيضون يقوم باختراع روايته أو انتزاعها من غيره وهو يُنجز قصة مسعود. قتل هذا الأخير زوجته وفر إلى الشام حيث صارت الأرض بلا ضابط، ما أتاح نشوء جماعات دينية مُسلّحة سينضم إلى واحدة منها. سيعود بعد 18 سنة وقد تحول إلى شيخ وقائد عصابة لا يجد مشقة في القتل والترويع. لقد «عاد إلى البلدة مجرماً ولو تسنّى له أن يقتلها (زوجته) مرة ثانية لفعل. الآن يقتل بلا سبب، لكنه يجد دائماً سبباً للقتل». مع عودته، سيكون عليه مواجهة ابنه غسّان الذي كبر في بيت خاله ملاحقاً بوزر حادثة مقتل والدته وارتباطها بعناوين الشرف التي لا يكون من السهل على الواحد السير معها والترتيب لحياة سهلة.

مخلّفات "الربيع العربي" رعب وجماعات متخصصة في إراقة الدم

ولعله من الضروري هنا التنويه بأهمية مفردة «الربيع العربي» التي أتت في منتصف القسم الثاني من العمل، التي لولاها لما عرفنا وقت الرواية ولا الزمن الذي تدور فيه. وقد ساعدنا هذا في إمساك مفاتيح من شأنها أن تعمل على تفسير ظهور مُخلّفات ذلك «الربيع» وما نتج عنه من رعب وجماعات متخصصة في إراقة الدم وصانعة لحفلات الذبح التي صارت تُبث على القنوات بعد توثيقها. لكن على الرغم من فكرة الرعب والترويع التي هي هدف «خريف البراءة» وغايتها، إلا أن صاحب العمل سيتأخر حتى يصل إليهما. سيبقى طويلاً وهو يحكي عن غسّان مسعود على لسانه في رسالتين طويلتين أكلتا أكثر من نصف العمل. وقد بقي النصف الثاني مُقسماً لتوضيح تبعات المواجهة بين الابن ووالده، ولتفصيل آلية الشغل التي اعتمدها القاتل العائد كي يصير زعيماً لفرع تنظيم «رايات الهدى» الذي جاء به من الشام.
لقد قام بيضون بتأجيل الرعب إلى مؤخرة الرواية وجعلنا في القسم الأكبر منها في منطقة بعيدة عن ذلك الرعب. قام بتكويم ذلك الرعب والقتل ليضعه دفعة واحدة في نهاية «الخريف» ليظهر مُناسباً لوقته. أخذ من رعب جماعة «الرايات» الذي قد حصل بعضه فعلاً في الحقيقة وأضاف من عنده أفعالاً أخرى. وهي تلك الجماعة المُشابهة لمن قام أصحابها بتوثيق صورة الطيّار الأردني معاذ الكساسبة وكيف جعلوه في قفص حديدي وصبّوا عليه البنزين ليظهر جسده كُتلة من لهب أمام عدسات الكاميرات، فـ «ليس من وسيلة للاقناع أقوى من جسد تأكله النار».
يستفيد بيضون من تلك الصورة التي شاهدها العالم ليضعها في سياق عمله وسياق الحكاية التي قام ببنائها. وفي سياق تلك الواقعة، يوصي الشيخ أتباعه بأن يتشدّدوا ويروّعوا «أن لا يتوقف الترويع وأن لا تتخلله فسحة يرتاح فيها الجمهور من الفظائع». مشانق كثيرة «وربما أكثر من مشانق»، رؤوس تُقطع واعدامات بالجملة، أجساد مصلوبة لُصق عليها لافتة ورقية كُتب عليها «كفّار». وضع المعارضين وصفاتهم الليبرالية والشيوعية في صناديق وإغراقهم في البحر، ربط «بنات الهوى» بأسلاك كهربائية وتوصيلها بموتور كهربائي. وحين يشتغل، تطير رأس الواحدة عن جسدها. هي وصية واضحة حيث يؤكد شيخ «الرايات» على ضرورة «أن نضرب ونضرب حتى نُعمى، حتى لا يعود أحد يرى سوى الدم، حتى لا يعود سوى كلمة الله ووحدها العليا». ولن يوقف كل هذا حوار يجري بين الابن وأبيه العائد. حوار يفتتحه غسّان قائلاً: «الرعب اللي عمتنشروه، ما عندكن إلا القتل وعمتبتكروا طرق قتل ما إلها سابق، إللي بعرفوا إنو الله غفور رحيم»، ليأتي رد الأب «بس كمان الله جبار وقاسي وبحاسب» واضعاً نقطة أخيرة على سطور ذلك الحوار.
هكذا لن نجد نقطة نور واحدة في ختام السرد، كأن صاحب «الشافيات» لا يحب النهايات السعيدة أو كأنه يقول بأننا قد وصلنا إلى القاع وصارت أيّامنا سوداء لا شبيه لها في أيّ زمن مضى. ونحن نتمنى نجاة بطل الرواية وهو يسعى لقتل والده، نعود بأمنيات خائبة ونحن نرى سكيناً كبيراً تلمع شفرته و«الدم العائلي يصبغ الموج».