ما الفرق بين الاختلاف والاختلاق؟ ما الفرق بين القيمة وحكم القيمة؟ أسئلة تطرح نفسها بعد، أو إبان قراءة كتاب علي حرب «الإرهاب وصُنّاعه ــ المرشد/ الطاغية/ المثقف» (الدار العربية للعلوم ناشرون). في كتاباته المختلفة، يعلن حرب انتماءه الى فلسفة الاختلاف التفاضلي، التي تميز بين العبارة والدلالة، الكلمة والاشارة، في المنحى السيميولوجي لانتاج المعنى النقدي. ويقوم المنهج التفكيكي (لا التحليلي ولا التركيبي) كأداة منهجية لعملية القراءة والكتابة على هذه الطريقة. وإذا كان جاك دريدا يقدّم المكتوب على المقروء في منهجه التفكيكي، بنفوره من الشفهي، فإن طريقة علي حرب تقدم الشفهي، المقروء، على المكتوب في عملية التناص Textualité، حيث لا نجد في المنهج مراجع ومصادر مثبّتة، إلا عرضاً. ما خلا ذلك، فالكتابة – القراءة – مرسلة، ذاتية، حدسية، تخلط المتن والهامش، التمايز والتكرار، الاشكالية والفرضية، الذاتي والموضوعي، الشبيه والمتشابه، المختلف والمؤتلف، مما يضيع معه الفَرق بين الفِرق، والعدو والصديق، والمستعمِر والمستعمَر، والغرب والشرق، والشمال والجنوب!
يربط علي حرب في مقدمة كتابه الأصولية بالعنف. أي أصولية؟! نحن نعرف مثلاً بأن جاك بيرك ميّز بين الأصولية (fondamentalisme) والشمولية التمامية (intégrisme). كما ميز ريجيس دوبريه بين الدين كأفيون، والدين كفيتامين للشعوب.
وثمة من يرى - كمارسيل غوشيه – أن الدينية، أو القداسة التي أهملتها الحداثة المعقلطة (Logocratique) الباهتة حوّلت العالم إلى عالم باهت Désenchanté بلا قيمة ولا معنى حقيقي. عن أي حداثة يتحدث علي حرب؟ أي هوية؟ وأي غيرية؟
في تساؤله عن علاقة الاسلام والارهاب، يقدم حرب مطالعة نقدية تتواتر فيها و«تتساوى» الحركات والمنظمات الاسلامية (القاعدة، النصرة، داعش، حزب الله، أنصار الله، بوكوحرام)!

لا يمكن تطبيق المنهج الوضعاني على الظاهرة الدينية
كما تتوازى المفردات المعتادة من التراث الاسلامي (الخليفة، الامام، الشريعة، الجهاد، جهاد النكاح، الفتوى، الجلباب، البرقع) فضلاً عما جرى تعريبه أو تركيبه من جانب الغربيين من مصطلحات (كالاسلاموية، السلفية، الجهادية، كره الإسلام، والخواف من الإسلام). وإذا كانت المقاربة التي تعتمدها علوم الإنسان تقدم على إخضاع الرأي للظاهرة، بصورة بعدية لمعرفة أبعادها المفكر واللامفكر فيها، فإن علي حرب بعكس المنهج التفاضلي، يخضع الظاهرة للرأي، رأيه، بصورة قَبْلية. يرى مثلاً أن ثمة علاقة بنيوية بين الإسلام والإرهاب على المستويين الفكري والاجتماعي. على المستوى الفكري، بوصفه ديناً يؤمن اتباعه بأنهم أصحاب كتاب مقدس ينطق بالحقيقة المطلقة والنهائية لأن مآل مثل هذا الاعتقاد (المغلق والنهائي) هو قمع حرية التفكير بتغليب الأمر على الرأي، والاشتغال بلغة الادانة والتكفير، والاقصاء الرمزي والجسدي للآخر، وهذا هو مآل كل مشروع أصولي يدعي احتكار الحقيقة، ويفكر بعقل آحادي قدسي، أو بمنطق شمولي استبدادي أو بمنهج ثبوتي دوغمائي. ويرى حرب، إنه من السذاجة والمداهنة أن نقفز على هذا الجذر الديني للعنف، الذي تمارسه التنظيمات الجهادية، الجذرية (الراديكالية) والإرهابية، والمقصود - برأيه- كون المسلم «يعتقد بأن الله واحد، والحق واحد والكتاب واحد، والفرقة الناجية واحدة. وهذا المعتقد الاصطفائي هو الذي يحول الدين (الاسلام) الى طوطم نبوي، وديناصور فكري، ومتراس طائفي وتنين ارهابي».
وبالروحية الوضعانية ذاتها، يرى حرب أن وضع الثقافة والنصوص الدينية على مشرحة النقد والتحليل، يلقى الرفض في الأوساط الإسلامية، والممانعة، بسبب التعصب، إذ «يشق على المسلم أن يسلّم بأن العجز والتخلف والعنف والإرهاب إنما مرده إلى عقيدته الدينية. وذلك العقل يتغذى من التهويلات الايديولوجية التي يمارسها حراس العقائد الذين يتسترون بستار الهوية والدفاع عن ثوابت الأمة لكي يقفوا في وجه محاولات الإصلاح والنقد» (ص 12).
ويا حبذا، لو كان علي حرب يميز حقاً، بين النقد، والاصلاح في مفهومه للظاهرة الدينية، وقد بين علماء ظواهرية الأديان أن المنهج الوضعاني لا يمكن تطبيقه على الظاهرة الدينية، لأن هذه الظاهرة ذات بنية تزامنية – تطورية متعالية، وهي من طبيعة قيمية خاصة لا يخضع النقد فيها للحكم الوضعي، إلا إذا أبطلنا البعد الرمزي، والدلالي، والميثولوجي، والانتروبولوجي للظاهرة الدينية. بل إنّ الاصلاح الداخلي يكون هو مناط العلاقة بين الديني والدنيوي، المتعالي والمحايث، المقدس والعادي. فهل يعلم حرب حقاً أشكال الحكم والحاكمة؟ وهل الحكم على الظاهرة العلمية، مثله مثل الحكم على ظاهرة جمالية، أو ميثولوجية، أو دينية متعالية؟! يختزل حرب الدين (الاسلام) بظاهرة الإرهاب، بلغة تهويمية ما قبل علمية أصولية – محدثة أو أصولية-لغوية، بلغة أخرى.
تقوم إشكاليته في كتابه الجديد على «ثالوث ديناصوري» يشكل المرشد والطاغية والمثقف أركانه الثلاثة. المرشد الذي يسخر اسم الله بلغة التكفير والإقصاء والإرهاب والاستئصال خدمة لأهوائه واحقاده ومغامراته (...). والطاغية الذي يتعامل مع بلده كمالك الملك، بالاستبداد والفساد والإرهاب، والإطاحة بمكتسبات الدولة الحديثة، في ما يخص المواطنة والعلمانية والديموقراطية. أما المثقف الذي لا يحسن طرح أفكاره، وتجديدها، بل يضعها في خدمة الطواغيت والسلطات القائمة. يرى حرب بأن العرب، لا سيما المثقف العربي قد تعاطوا مع الأزمة بالمقلوب، إذ حسبوا المشكلة حلاً في عالم آخذ في التشكل من جديد، بصورة تنفتح معها الآفاق لولادة انماط واشكال وأساليب مختلفة من التخيل والتفكير أو التأليف والتركيب أو التقدير والتدبير. والرهان برأيه هو الانخراط في المناقشات العالمية الدائرة، على وقع التحديات الجسيمة والتحولات الهائلة، من أجل صوغ ما تحتاج إليه إدارة الشأن العالمي والكوكبي من اللغات والمفاهيم أو القيم والقواعد أو الطرز والنماذج.
هل يتصدى علي حرب للشأن العالمي والكوكبي، والانظمة القائمة في البلاد العربية- لا سيما في الخليج- بالدرجة ذاتها؟ ماذا عن السياسة الأميركية - الأوروبية وعلاقتها بالارهاب؟ ماذا عن الدول العربية (حامية الإرهاب)؟ وماذا عن اسرائيل رائدة الشرق أوسطية في منطقة الشرق الأوسط؟ وماذا عن قطع الأيادي وقطع الرؤوس التي مارستها هذه الأنظمة قبل "داعش"، وبعدها، هل هي مؤاتية للكوكبة، والعولمة، وحقوق الإنسان والمواطن والعلم، والعلمانية، التي يدعو إليها علي حرب؟! وهل يسمي حرب الأشياء بأسمائها أم يجتزئها وفق رؤية «الاستثنائية» والانتقائية؟ التنين الارهابي من يصنعه؟
مع إن عبارة التنين (اللوفياتان Leviathan) غربية بامتياز اخترعها الفيلسوف الانكليزي هوبس، في كتابه الشهير «اللوفياتان» في وصفه للدلالة الغربية التي تقوم على الاستبداد، والعنف، والهيمنة والسيطرة – وهوذا مقصد علي حرب في استخدام العنوان، فإننا لا نجد التنين الغربي وصنيعته اسرائيل- إلا عرضاً في قائمة صناع الارهاب.
لا يمكن تطبيق المنهج الوضعاني على الظاهرة الدينية

مع إن كل من يقرأ مجلة Foreign Affairs يطلع على آخر «موضات» الارهاب، من نظرية «نهاية التاريخ» لفوكوياما الى نظرية «صدام الحضارات» لهنتنغتون إلى نظرية «حدود الدم» للجنرال بيترز، التي ترسم خريطة الشرق الأوسط الجديد، بناء على مواصفات كتاب شمعون بيريز «الشرق الأوسط الجديد» الذي يرى العرب والمسلمين قبائل، ومذاهب وطوائف وإثنيات متناحرة، متصارعة، ويوصي بإعادة تجزئة الشرق بناء على هذه الترسيمة الصهيونية.
التنين- أو اللوفياتان- بالنسبة إلى «الفيلسوف» علي حرب هو ثالوث المرشد والطاغية والمثقف العربي أو حتى الفكر العلماني، والقومي، القائم على منطق الهوية والذات والذاتية. ولذا نرى حرب يرفض مقاربة أوليفيه روا التي يرى فيها أن التنظيمات الجهادية هي نتيجة العولمة الوحشية في كتابه «فشل الإسلام السياسي» وهي حقيقة جزئية، قامت عليها ثورات القوة الناعمة التي تحمس لها علي حرب وأفرد لها كتاباً بالعنوان الآنف. هل الغرب براء من لعبة الدم؟ ألم يتحدث الجنرال بيترز عن «دولة سنية» تمتد من غرب العراق الى شرق سوريا قبل ظهور «داعش» بسنوات؟
هذه الحقيقة يعترف بها علي حرب – على مضض- في نهاية المطاف عندما يتساءل: هل من صنع الإرهاب ورعاه ودعمه واستثمره هو الذي سيقوم بمحاربته – والمقصود بذلك دعوة أوباما لمحاربة الارهاب الداعشي؟.
مع ذلك، تظل صناعة الإرهاب، بالنسبة إلى حرب «محلية»، فالتنين الإرهابي هو صنيعة المؤسسة الدينية، وبالرغم من تحميل الأصوليين مسؤولية خراب البصرة والموصل وبيروت وعدن وكل المدن باعتبارهم صناع الإرهاب أولاً وأخيراً، فإنه يرى في كتاب ماكس فيبر «البروتستانتية وروح الرأسمالية» تأكيداً على إمكان الإصلاح والتحديث الديني – الدنيوي! والقياس على ذلك يعني إمكان الاصلاح، قديماً وحديثاً في الأسلام والمسيحية، وحتى اليهودية، فالدين كالأواني المستطرقة، يأخذ فيها الماء شكل الوعاء.
كما إن علي حرب، لا شك قد اطلع على إعجاب المسشرقين بالمعتزلة باعتبارهم «بروتستانت الاسلام»، في تأكيدهم على حرية الاختيار، كما اطلع على فصل المقال بين الحكمة والشريعة عند ابن رشد، ولاحظ ما لاحظه أحمد أمين في وصفه المرجئة بأنها «دين الملوك» لما يتمتع به هذا المذهب من نظرة تسامحية، وسطية، تقوم على إرجاء الحكم على الانسان إلى الله تعالى، تماماً كمذهب حرية الضمير في المسيحية.
وهل نذكّر علي حرب بأن ثمة أحزاب مسيحية ديمقراطية في الغرب، وثمة تجربة ماليزية «إسلامية» تقوم على مفهوم التنمية المستدامة وثمة نظام علماني تركي ديمقراطي، عيبه ليس في هويته الاسلامية وإنما في توجههه الاطلسي؟!
ينهي علي حرب نقده الشرس للاسلام بكل أطيافه من دون تمييز بين الفرق بالقول «أن هذا النقد يستهدفني، كما يستهدف غيري، لأن لا أحد بريء من المسؤولية عما يحدث» (42) في لحظة صدق ومصداقية. وهنا نرى بأن الأصولية، ليست في الدين، والمذاهب، والملل والنحل، وإنما أيضاً في اللغة الأصولية المستخدمة في النقد. واللغة كما يقول هايدغر مسكن الكينونة، وعماد أي تصور فكري، وقيمي وأنطولوجي. فالخلاف مثلبة، والاختلاف منقبة. وشتان بين الاختلاف والخلاف... والخلاف والاختلاق... وشتّان بين القيمة وحكم القيمة؟!