كل متابع للعلاقات الأنغلو- فرنسية، يعرف أنّ ما يربط الجارين هو تحالف لدود. الصراع بين الطرفين، خفي، لكنه يظهر للعيان حتى عندما يلتقي قادة البلدين ويتبادلان الابتسامات والنخب.
لكن ما الجذور التاريخية لهذه العلاقة الأخوية اللدودة؟ هذا ما يجيب هذا المؤلف المثير عنه، عبر تغطية عامة لتاريخ العلاقة بين الإنكليز والفرنسيين منذ ألف عام. ستيفن كلارك صحافي بريطاني مقيم في فرنسا منذ عقود، ومتمكن من اللغة الفرنسية، ودارس تاريخ البلدين دراسة متعمقة.
ما يضفي سحراً على هذا المؤلف أن كاتبه صاغه بلغة صحافية سلسلة، لا تنتقص من ضرورة الالتزام بالعلم مرجعاً. مئات التعليقات على هذا المؤلف، الذي لا يزال يصدر في طبعات متتالية، لكن لا أحد من المعلقين، المعجبين بالمؤلف أو الرافضين له جملة وتفصيلاً، شكك في صحة أي معلومة أوردها الكاتب. أسلوب الكاتب الصحافي، والساخر، وفق الأسلوب الإنكليزي، في آن، جعل من قراءة ذلك التاريخ متعة حقيقية.
المؤلف يتعرض لمجموعة كبيرة من الأحداث بين الطرفين، تبدأ عام 1066 بعبور النورمان القناة، وفق التسمية الإنكليزية، أو بحر المانش وفق التسمية الفرنسية، يصحح الكثير من المفاهيم الخاطئة، لكن السائدة، في قراءة التاريخ، من المنظور الفرنسي.
الأمر الأول الذي يتعرض الكاتب له بالتفصيل، توثيقياً دوماً، هو «حرب المئة عام» التي امتدت من عام 1337 إلى عام 1453 ويسرد تفاصيل معاركها الرئيسة، وأسباب اندلاع كل منها ومسارها والعقليات العسكرية التي تحكمت بها.
الحدث الأهم في تلك الحروب، من منظور فرنسي، هو قتل الإنكليز جان دارك، حرقاً، وهو، وفق الرواية الفرنسية «الأمر الوحيد الذي أجاد الإنكليز طهيه»! يؤكّد الكاتب أن الفرنسيين أنفسهم كانوا وراء قتلها، لكنهم دفعوا الإنكليز لإنجاز ما وصفه بـ «العمل القذر». سبب حكم القتل الذي أصدرته الكنيسة الفرنسية أنها كانت ترتدي بنطالاً!
ولزيادة التنكيد على القراء الفرنسيين، يشكك الكاتب في صحة ترسيمها قديسة بسبب وجود أشخاص رأوا ثدييها، ما يلغي صحة الترسيم القدسي.
السخرية الإنكليزية الباردة، إلى درجة إغاظة الفرنسيين، يوظفها الكاتب في عرض أمور أخرى في تاريخ العلاقة بين الطرفين، مع الإصرار على أن المقصلة ليست اختراعاً فرنسياً بل إنكليزي، استُخدم لعقود طويلة قبل انتقاله إلى فرنسا إبان ثورتها الدموية. يوظف الكاتب هذا القسم لإدانة الثورة الفرنسية على نحو قاطع، ويركز على دمويتها ووحشيتها التي أفقدت فرنسا الكثير من قادتها ومفكريها.
يستمر الكاتب في تنكيد عيش القراء الفرنسيين ليروي قصة الشمبانيا، ويؤكد أنها ليست اختراعاً فرنسياً. كلنا يعلم أنّ الشمبانيا تعد أحد مكونات هوية الفرنسيين القومية، إلى درجة أنّ فرنسا أصرت على وضع الاسم في اتفاقية فرساي احتكاراً لها، فمنعت ألمانيا من استخدام الاسم الفرنسي لمنتوجها وفرضت عليها اسماً بديلاً يعني بالعربية "النبيذ المتلألئ، النبيذ ذو الرغوة Sparkling Wine - Schaumwein". الأمر يسري أيضاً على احتكارها اسم كونياك الذي أصرت فرنسا على وضعه أيضاً في الاتفاقية والمعروف في ألمانيا باسم براندي.
تنكيد الكاتب حياة الفرنسيين يستمر في هذا المجال، ليؤكد أنّ النبيذ الفرنسي الشهير ليس فرنسياً وإنما أميركي. السبب أن مرضاً أصاب نبتة العنب الفرنسية في ستينيات القرن الثامن عشر، وقضى على إنتاج البلاد من النبيذ الشهير مثل البوجوليه والبوردو والبورغندي، فاضطرت لاستيرادها من الولايات المتحدة.

نقد للرموز الثقافية الفرنسية كسارتر ودو بوفوار

من المعروف أن تمثال الحرية قدمته فرنسا هدية للاتحاد الأميركي الصاعد بسبب تمكنه من طرد الإنكليز، لكن الكاتب يؤكد أنّ استقلال أميركا الحقيقي كان عن فرنسا وليس عن لندن؛ لكن اللغة الإنكليزية هي التي انتصرت في تلك المستعمرة، واسم البلاد صار America وليس L'Amérique.
نابليون بونابرت، يعد أحد أقداس القدس معظم الفرنسيين، ومقاربته سلباً، يعد جريمة لا تغتفر. ستيفن كلارك لا يعبأ بذلك ولا يكفّ عن استفزاز الفرنسيين بتناول حياة الإمبراطور، الذي يطلق عليه اسم بوني (Boni) بكل تفاصيلها، منذ تمكنه من الاستيلاء على السلطة عبر انقلاب، تعرض فيه بالبحث المفصل لمعركة وترلوا التي هزم فيها القائد الإنكليزي ديوك ولنغنتن الذي سبق له هزيمة فرنسا في إسبانيا التي كانت تحت حكم شقيق الإمبراطور بوني! استسلم للإنكليز وطلب منهم منحه حق اللجوء في لندن. الإنكليز رفضوا ذلك وأصروا على نفيه.
المؤلف يتطرق إلى مواضيع حديثة أخرى ومنها على سبيل المثال الحرب العالمية الثانية، علماً بأن الحرب العالمية الأولى كانت المرة الأولى التي وقف الطرفان فيها جنباً إلى جنب، متحالفين، ضد ألمانيا.
من المعروف أنّ ثمة حرماً فرض على المؤرخين الغربيين وهو الحديث في مسألة فرار القوات البريطانية والفرنسية من أمام القوات الألمانية في دنكرك، إضافة إلى منع الحديث في موضوع التعاون الفرنسي الواسع (العمالة)، دوماً، وفق الكاتب، مع القوات الألمانية إبان الحرب العالمية الثانية. لكن ستيفن كلارك يتحرر من هذا التحريم ويذكره، وإن على نحو عابر.
يخصص الكاتب قسماً من مؤلفه للقائد الفرنسي شارل ديغول، ويدينه على نحو مطلق، مذكّراً القراء بأنّ عدد القوات الفرنسية التي شاركت في إنزال النورماندي كان 177 فرداً، لا أكثر، وينفي بذلك صحة ما يوصف بأن الفرنسيين حرروا أنفسهم من النازية!
يتعرض الكاتب بالنقد الشديد لمجموعة من الرموز الثقافية الفرنسية كجان- بول سارتر وسيمون دو بوفوار، ويقدم الإثباتات على أنّ موقف الفرنسيين منهما وعدّ أي حديث سلبي عنهما من الأمور المحرمة، لا يملك ما يبرّره، وأن الأمر يعد حالة إنكار. كما يتعرض إلى ماضي السيدة كوكو شانيل وما يقوله الكاتب عن تآمرها مع النازيين لسرقة حقوق إنتاج العطر الشهير (No. 5) المملوك لألماني يهودي هاجر إلى الولايات المتحدة قبل اندلاع الحرب العالمية.
مؤلف ممتع، لكن على القارئ الحرص على عدم قراءته في مكان عام، فقد تزعج قهقهاته المتتالية جيرانه!