الكاتب يرغن روث، أحد أشهر رجال الصحافة الاستقصائية في ألمانيا، نشر العديد من الأفلام الوثائقية والمؤلفات في السياسة والفساد والجريمة المنظمة، آخرها «اقتصاد العصابات»، أثارت، جميعها، اهتمام الجمهور وأهل الاختصاص. موضوع هذا المؤلف والآخر في الصفحة التالية "الدولة الخفية" (Der Tiefe Staat, The Deep State) جديد، على الأقل في ما يتعلق بالمصطلح الذي ظهر أخيراً في تركيا مع إعلان السلطات هناك اكتشافها دولة موازية أطلقت عليها صفة (dorin devlet) التركية، تقودها مجموعة من النخب في مختلف مجالات الحياة، لا تتلقى أوامرها من أجهزة الدولة، وإنما وفق انتمائها الفكري، وهي بالتالي لا تخضع لأي ضوابط محاسبة قانونية أو تشريعية، وفي الوقت نفسه تكون إمكانية نجاح ملاحقة أعضائها معقدة للغاية، بل تخفق تماماً في معظم الأحيان.
يشدد المؤلَّف على أنّ هذه الدولة الخفية موجودة في ألمانيا منذ ولادتها في عام 1949، وقد اشتهرت قضايا عدة بالعلاقة معها ومنها على سبيل المثال قضية غلاديو (Gladio) التي شكلت جزءاً لا يتجزأ من تحالف الناتو ووكالة الاستخبارات المركزية (CIA)، وأدت في بعض الأحيان إلى إدانة بعض الأفراد بتهم مختلفة منها تشكيل عصابات سرية تهدد النظام الديمقراطي، وفق المفهوم الرأسمالي، أي النظام التمثيلي.
يعرِّف الكاتب الدولة الخفية بالقول: إنها بنى سلطة تحاول تعطيل عمل الدستور والديمقراطية الحية، وتعني محاربة المجتمع الديمقراطي، وهي تؤسس، في الواقع، دولة داخل دولة. أما أهم ملامحها، فهي العنصرية المؤسساتية، والعِلوِيَّة، أي الإيمان بضرورة تسلم أعالي القوم قيادة المجتمع، والتسلطية ومعاداة الإنسانية. وهي تتشكل في العادة داخل أجهزة الدولة الرسمية، من أجهزة استخبارات وشركات وشرطة يمين متطرف ورجالات سياسة.

تفاصيل عن مدى تغلغل الفكر اليميني النازي

يبني الكاتب مؤلفه كرنولوجياً بدءاً من تشكيل حلف الناتو قوات ما يسمى (Stay-Behind) بالتعاون مع استخبارات غربية، عبر عملية (Gladio) بهدف السيطرة على البلاد في حال حدوث غزو سوفياتي، لكن أيضاً للحفاظ على النظام القائم في ألمانيا الغربية عبر مجموعة من عمليات التخريب المادية والمعنوية بهدف التأثير في الأوضاع السياسية القائمة وجذبها بعيداً من الشيوعية. يسهب الكاتب في توضيح الخلفية النازية المنظمة لتلك القوات وفروعها في مختلف مجالات الحياة في ألمانيا، في الجيش والشرطة والقضاء والصحافة والتعليم... ثم يسترسل في استعراضه الموثق أعمال لجان تحقيق في الخصوص وصولاً إلى عام 2015 حيث ألمانيا غارقة في فضيحة القوميين الاشتراكيين السريين (NSU) التي سبق لنا الإشارة إليها في عرضنا عن صعود اليمين المتطرف الجديد في ألمانيا («الأخبار»: 22 كانون الثاني 2016).
يستعين الكاتب دوماً بأقوال العديد من النخب العلمية الألمانية المتخصصة التي تؤكد وجود هذه الدولة الخفية، وتحذر من أخطارها على المجتمع. كما تحذر من انحدار مستوى التعليم في الجامعات الألمانية حيث تُفتقد بنيوية الفكر النقدي، واستحال وضع معلومات إلى جانب بعضها (ندعوه لإلقاء نظرة على جامعات بلاد العرب)!
يذكّر الكاتب القراء بأن البرلمان الأوروبي نفسه اعترف بوجود هذه الدولة/ الدول الخفية، وطالب الدول الأعضاء في 22 تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1990 بتقصي الأمر وتشكيل لجان تحقيق في هذا الخصوص. لم تلتزم أي من الدول بالقرار باستثناء بلجيكا وسويسرا وإيطاليا التي سبق لها أن تمكنت من كشف الدولة الخفية على أرضها في ما سمي محفل بي 2 (P2 Lodge).
عبر تعامله التفصيلي مع مختلف قضايا الدولة الخفية في ألمانيا، يوضح الكاتب وجودها حيث عمل أعضاؤها الخفايا، ومنهم وزراء وقيادات شرطة واستخبارات على تعطيل التحقيقات كافة ومنع الوصول إلى حقيقة وكشفها وفضح الجناة والمجرمين. هذا التنظيم، الذي ولد مجموعة من المنظمات النازية الصغيرة، مارس العديد من الأعمال الإرهابية داخل ألمانيا، وتم تعطيل الكشف عن هوية من يقف ورائها، وسجلت على أنها جرائم فردية.
يحوي الكتاب معلومات تفصيلية عن مدى تغلغل الفكر اليميني المتطرف، النازي، في المجتمع الألماني، والسبب الرئيس، برأيه، هو ما كنا تحدثنا عنه في منابر أخرى، أي مجتمع الثلثين: الذين يعيشون على حساب شقاء الثلث الذي يتعرض على نحو دائم للإفقار والتهميش؛ أي طبيعة النظام الرأسمالي. (انظر العرض الأخير في الصفحة المقابلة).