لن نفلت بسهولة من حالة الارتباك التي ستصيبنا ونحن نمر على صفحات «حياة ومغامرات الدكتورة م» (دار العين- القاهرة) للروائية والمترجمة المصرية منى برنس (1970). وستكون حالة الارتباك ناتجة عن المسافة التي ينبغي لنا عدم تجاوزها ونحن نرى ذلك التشابه الذي يكاد أن يبدو تطابقاً تاماً بين الشخصية الرئيسة في العمل التي يبدأ اسمها بالحرف «م» وبين كاتبته. كلاهما أستاذة للأدب الانكليزي في «جامعة السويس» المصرية، وقامت في زمن ما بعد «ثورة 25 يناير» بترشيح نفسها على نحو فعلي لمنصب رئاسة الجمهورية وإن لم تكتمل خطواتها. إلى هذا، سنرى تطابقاً في حالة الاستاذة نفسها التي تعرَّضت أكثر من مرة لتحقيقات أكاديمية تحت دعوى "تدريس روايات جنسية" لطلابها من أطراف أصولية تعمل في الجامعة نفسها وتعتبر أنّ حالة الدكتورة برنس ومظهرها لا يتلاءمان مع مهنة التدريس الجامعي. وهذه في حقيقة الأمر وقائع حقيقية كتبت عنها الجرائد وتم توثيقها. لماذا إذاً اللجوء إلى استخدام قناع «الدكتورة م» من أجل سرد يبتعد عن السيرة الذاتية مقترباً من أرضية الرواية التي تروي سيرة ذاتية. وهذه الأخيرة حيلة يتم استخدامها عادة للتحايل على سلطة عائلية واجتماعية أو سلطوية قد يقع الكاتب في احتمالات العقاب إن اقترب في نصه مُنتجاً مقاربات تنتهك "المُحرم" بزواياه الثلاثة المعروفة. ستتضاعف حيرتنا حين نعلم بأنّ صاحبة "قُصر نظر رائع" لا تولي في حياتها الواقعية أي أهمية لتلك الموانع، بل تمضي أيّامها حريصة على كرامتها الشخصية وحريتها التي لا تسمح أن تُمس بأي شكل من الأشكال.

أصولية اجتماعية وتشدد واحتقان طائفي

والحال هذه سنرى حياة الدكتورة "م" في سياق سرد منطوق بلسان الراوي الذي يسعى الى تقديم يوميات تنحصر في مكانين رئيسيين هما ساحة العمل الأكاديمي والشارع بكل ما فيه من عناصر كفيلة بتفسير الحالة التي صار عليها أهله. وعبر هذين المكانين، سينطلق السرد مُناقشاً تحولات الحياة الاجتماعية والسياسية التي أصبحت مِصر عليها اليوم وهي تبدو مُحاصرة بـ "ثقافة العشوائيات" التي طغت على الشارع أولاً وصارت عنواناً رئيسياً له من "موسيقى رديئة عالية، أصوات متحشرجة لمقرئي قرآن مجهولين، وألفاظ خارجة متنوعة". إنّها العشوائية نفسها التي صارت سيّدة العمل الجامعي، وتحمّل الأستاذ أشغالاً فوق طاقته بسبب هجرة الدكاترة إلى السعودية وكسب المال ورفضهم العودة بعد انتهاء فترات عملهم. في المقابل، يظهر بعض العائدين منهم "وقد أطلق لحيته من دون أي تشذيب لتصل إلى صدره". وهؤلاء عندما يقفون في مواجهة الدكتورة "م"، لا يتورعون عن التكشير وقول: "استغفر الله" كأن هذه العبارة كافية لإبراء أنفسهم من هذا "المُنكر" الذي يمثله حضور تلك "الدكتورة" في حقل أكاديمي.
في جهة أخرى، ستعمد صاحبة "إني أحدثك لترى" عبر بطلة النص ومن داخل سيّارتها الخاصة، إلى توضيح الاحتقان الطائفي الذي صار واضحاً في صيغة التعامل اليومي بين المكونين الدينين الرئيسيين في مصر و"القلب الأسود" الذي صار يحمله الطرفان لبعضهما. كل هذا على الرغم من ظاهرة الهوس في إظهار مدى تدّينهم في كلا الجهتين. إنها تُمسك هنا بحالة "زبيبة الصلاة" وهي تلك البقعة السوداء التي أصبحت تظهر على وجوه كثيرين "كما لو كانوا يسجدون على حجر وليس على سجاجيد الصلاة القطيفة". أمّا المسيحيون المصريون فهم "الوحيدون الذين يدقون صليباً على رسغهم".
سنلقى هذا مُنعكساً في تعامل الشارع مع الدكتورة "م" وهي تحرص على ارتداء ملابس غير مهادنة مع الواقع الأصولي السائد لتجد من يقول لها "ما تقلعي خالص أحسن". أمر يؤدي بطبيعة الحال إلى افتراض أنّ "هذا الجيل لم يرَ سيقاناً وأذرعاً من قبل".
هكذا سنرى الدكتورة "م" وقد قرّرت الترشح للرئاسة مستفيدة من مناخ ما بعد ثورة يناير وهدفها المساهمة في تعديل أجواء الفساد التي صارت طاغية في كل أشكال الحياة، لكنها ستجد نفسها في مواجهة أصنام مُستنكرة هذه الخطوة لأسباب دينية وأخلاقية على حد سواء، فالمصريون "عايزين ريّس يعرف ربنا" وأن يكون رجلاً. من جهة ثانية، سيعمد طلاب لها إلى إعادة نشر صور لها على الفايسبوك تُظهرها وهي تشرب البيرة مع التعليق عليها "الدكتورة الخمورجية اللي بتشرب ويسكي عايزة تبقى رئيسة". لكن هذا لن يصيبها بالغضب، بل ستبقى مُكتفية بكتابة استغرابها حول جهل كاتب تلك العبارة: «ويسكي يا جاهل! مش عارف تميّز بين الويسكي والبيرة!».
مع ذلك، لا يخلو المناخ من شباب ما زالوا متمسكين بروح المرح في حياتهم لنجد موقفاً للدكتورة "م" حين تقرر الذهاب إلى مرقص بهدف التخفيف من أثقال الضيق الذي أصاب روحها. وهناك مع اندماج الجميع في أجواء الرقص، تلتفت "م" لشاب بابتسامة ظاهرة على وجهه، فتسأله عن السبب، فيقول: "إحنا مبسوطين جداً إن مرشحة الرئاسة بترقص معانا".