في ظلّ ندرة المراجع التي تؤرّخ وتوثّق للموسيقى العربية وأعلامها، يكتسب الجهد الذي قامت به «مؤسسة التوثيق والبحث في الموسيقى العربيّة» (AMAR) لإصدارها كتاب «سامي الشوّا - أمير الكمان ـ حياته وأعماله» (دار الساقي ـ 2015) قيمة مضافة. هو يتخطّى فكرة التعريف بواحد من أعلام الموسيقى العربية، ليكون بمثابة مرجع موثّق، اعتمد صنّاعه منهجية علميّة في البحث للتأريخ لحقبة موسيقية تعاني قلّة المصادر التي توثقها.
منذ البداية، يتضح الجهد المبذول من قبل الباحثين الموسيقيين، مصطفى سعيد وأحمد صالحي، لمحاولة الوصول إلى تاريخ دقيق لولادة سامي الشوّا. يستقرّان أخيراً على أنها كانت في عام 1885، في حارة النصارى، باب الشعرية، في القاهرة، حيث كان يقطن والده، أنطون الشوّا، عازف الكمان، القادم من مدينة حلب. وهناك، سيمضي سامي سنواته السبع الأولى قبل العودة مع أبيه إلى مسقط رأسه في حلب، ليبدأ تعلّم العزف على يد جدّه الياس، عازف القانون، لتكون خطواته الأولى في إتمام مسيرة واحدة من أعرق العائلات الموسيقية العربية.
لا تكتسب سيرة الشوّا أهميتها فقط من كونه عازف الكمان العربي الأبرز، وإنّما لأنّه كان واحداً من المجددين الذين خلقوا آفاقاً جديدة للموسيقى العربية، استطاعت من خلالها أن تثبت وجودها أمام الموسيقى العالمية من دون الخضوع لشروط الموسيقى الغربية، حتى على آلة كانت ـــ حتى ذلك الوقت، تعتبر آلة غربية ـــ إلى درجة أنّ كلّ التسجيلات الموسيقية التي عثر عليها قبل عام 1904 كانت خالية من صوت آلة الكمان.

الخاتمة جاءت بقلم الدكتور وعازف الكمان نداء أبو مراد

بالنظر إلى الأسماء التي رافقها وعاصرها الشوّا في عمله، منذ وصوله إلى القاهرة في عام 1903 وحتى وفاته عام 1965، يتبين أنّ حياته كانت حلقة مهمة في تاريخ الفن والثقافة العربيين. هو من رافق الشيخ يوسف المنيلاوي، والشيخ أحمد ندا، والمغني أحمد حسنين، وصادق كبار الشعراء العرب، من أمثال أحمد شوقي، وجبران خليل جبران، وخليل مطران، وشكيب أرسلان، ومعروف الرصافي، وكان ضيفاً على معظم الملوك والرؤساء العرب، بما يشي بعلاقة وشيجة كانت تربط الفن آنذاك بالثقافة والسياسة. وربما في ذلك ما يفسّر رفض الشوّا ــ بتشجيع من والده ــ عرض قائد الأوركسترا الإيطالية، الذي اقترح عليه السفر إلى إيطاليا لتعلم الموسيقى "الإفرنجية" والعمل في الأوركسترا، بغية المزج بين الموسيقى الغربية والعربية. وكان ردّ والده «نحن عرب، والموسيقى الإفرنجية لا تمثل حياتنا أو بيئتنا».
لم يقتصر أثر أمير الكمان على العزف فقط، بل تجاوز ذلك إلى محاولته نشر التعليم الموسيقي على نطاق واسع، عبر افتتاحه المدرسة الأهلية لتعليم الموسيقى الشرقية، ووضعه منهجاً لتعليم الكمان الشرقي تحت عنوان «كتاب الكمنجة الشرقية على علامات النوتة الإفرنجية». إلى جانب ذلك، كانت مساهمته الثريّة في العلم الموسيقي الشرقي عبر كتابه «القواعد الفنية في الموسيقى الشرقية والغربية».
إنّ وجود باحثين متخصصين في الموسيقى الشرقية، مصطفى سعيد، عازف العود، ومؤسس «مجموعة أصيل للموسيقى الفصحى العربية المعاصرة»، وأحمد الصالحي، عازف الكمان والمدرس لآلة الكمان الشرقي في «المعهد العالي للفنون الموسيقية» في الكويت، قد أسهم في إثراء الكتاب بمعلومات موسيقية دقيقة، وبتحليل موسّع لموسيقى الشوّا، ما يجعلنا أمام عمل توثيقي في غاية الأهمية، نحن الذين لم نعرف منذ كتاب «الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني، الموضوع في العصر العباسي، مرجعاً يوثق للموسيقى والغناء العربيين. مشروع يعكف الباحث الموسيقي السوري، سعد الله آغا القلعة، على الإتيان بشبيه له يوثّق للموسيقى العربية المعاصرة عبر كتاب سمعي بصري يحمل اسم «كتاب الأغاني الثاني» الذي يفرد فيه صفحات لأمير الكمان سامي الشوّا.
لقد اهتمّ الباحثان بالإحاطة بمختلف الجوانب التي تجعل من عملهما مرجعاً موسيقياً مهماً، عبر ذكر كمّ كبير من المراجع العربية والغربية والصوتية التي اعتمداها في تدوينهما للسيرة، إلى جانب أرشفة أعمال الشوّا الموسيقية بحسب تاريخ صدورها، وإغناء الكتاب بكمّ كبير من الصور المنسوبة إلى مصادرها. وكذلك، هنالك الخاتمة التي جاءت بقلم الدكتور وعازف الكمان نداء أبو مراد. مع ملاحظة كنّا نتمنى لو تمّ تلافيها، وهي الاستغناء عن مهنة المحرّر أثناء وضع الكتاب، ما جعله مليئاً بالأخطاء النحوية والإملائية، التي لم تكن تحتاج سوى الى جهد بسيط جداً، مقارنة بالجهد الكبير المبذول لصناعة الكتاب، كيلا يعكّر وجودها متعة الاطلاع على مرجع بهذه الأهمية.