في إصداره الأوّل «كتابُ البصرة... بروفايل الضوء والقصيدة» عن «دار وراقون» ومنشورات «باصورا» في البصرة، يقدّم الفوتوغرافيّ العراقيّ أحمد محمود تجربة يعبر فيها حدود المساحة التي يشتغل فيها منذ سنوات، وهي فضاءات الصور الفوتوغرافيّة التي اهتمّ بنشرها في صحف ومجلات أدبيّة عراقيّة وعربيّة، بالاستعانة بنماذج من قصائد شعراء البصرة. هكذا، يجعل الصور نصوصاً بصريّة تتداخل بمعانيها وعلاماتها الزمانيّة والمكانيّة مع النصوص الشعريّة، إذ اختارها بعناية تتوضّح لدى متابعة المقاطع المتجاورة مع فوتوغراف من أجواء البصرة. تتمازج أبعاد شتّى في متن الكتاب: بعدٌ تأويليّ للصورة يلتقي مع معنى مضمر في النصّ الشعريّ، وبعدٌ استدلاليّ يتّضح من تقسيمه الكتاب إلى أبواب عدة طارحاً عبر عنوان كلّ منها، دلالة ما، مرّة في علاقة العراقيّ مع الحرب كما في «على حافة شظية»، أو عبر ما تجسّده الكاميرا في أعماق الأمكنة من شواهد وحقائق، كما في «ضوء السباخ.. ظلال الشنانشيل» و«باب على النهر.. بابان على الرؤيا».

توطئة كتبها القاص الرائد محمّد خضيّر

يفتتح الكتاب بتوطئة من القاص الرائد محمّد خضيّر عنونها بـ «تظهير أوليّ»، مؤشّراً فيها إلى حلول روح الشعر في مظهر العمل الفوتوغرافيّ، وجاء فيها: «هذا التناظر الأكبر بين الصورة والزمن، يقابله تناظر تفصيلي بين المهد والدّمية، النخلة والقارب... أمّا ما يكفل صحة هذا التناظر أو النظرية، ويدعمه بتوقيع كلي مضمر، فتؤكده القصيدة الملهمة بروح المكان الأصلي (البصرة)».
يقدّم المؤلف أعمالاً فوتوغرافيّة التقطها بين عامي 2011 و2014، كأنّها مرويات متتالية تسعى الى الامساك بقيمة الحياة أو ما تبقى منها. التقاطات لتناقضات عدة، اطمئنان إنسانيّ في بيئة قلقة ومتراجعة، ابتسامة عريضة تحاصرها تجاعيد الوجه، جذع شاخص يعلن عن ماضي النخلة المقطوعة.
يعزّز محمود صفحات كتابه بتناسق خفيّ وأحياناً ظاهر بين الصورة والنصّ، حيث طفلان عراقيان يستغرقان في التأرجح على مساند حديديّة صدئة وأمامهما بقايا دبابة تفصح سرفاتها المهترئة عن قبح الحرب. وفي الصفحة المقابلة مقطع من نصّ «حرب أخي» للشاعر طالب عبدالعزيز: "قم أخي لقد انتهت الحرب/ (...)/ أمّي ما زالت في فراشها/ أحدثها عن طولك وعضدك القويّ/ ويطربها كثيراً/ إنّهم لم يجدوا حذاء على مقاسك.. وإنّ الشظية التي هشّمت أضلاعك/ كانت من مدفع مارد وقوي/ وقد فركت فتوتك كلّها..".
في صورة انتظار العجوز البصريّ وهو يترك نظره ساهماً نحو مجهول لم تذهب إليه الكاميرا، يناظرها مقطع للشاعر الراحل حسين عبد اللطيف:"ها نحن نجوب أقاليم المدن/.. ها نحن على الأبواب/ نصيح:/ الريح/ الريح/ الريح/ أطبقنا الأيدي/ وفتحنا الأيدي/ ما من شيء في الأيدي..».
يمرّ محمود بعدسته على هياكل وخرائب مدينته، والسفن المتروكة، وزحام السيارات وحركتها غير المنضبطة، لكنّه يلعب على اضطراب الملامح العامّة وتقاطعها، فالعربة الزرقاء تبرز في محيط من البناء الرماديّ المتروك، والضوء يشعّ إلى داخل شرفة بناء مهجور وليس العكس حينما يطلّ الإنسان (وهو هنا غائب ومغيّب) على اشراقات الخارج. هو يضيء هذه العلاقة بين الفرد ومكانه، يستنهض حركات بسيطة لبشر في الهامش، فيجعلهم في مركز صورة تهدينا إلى فهم قيمة البقاء في فضاء منتهك لا يستسلم في النهاية. شخوص أعماله تجهد لصنع ضحكتها وخطوتها، لذا يبقى مظهرها في نطاق الحياة، بهيئتها المهدّدة والخائفة حتّى من المستقبل، غير أنّها تنتظره بتطلّع.
مثالنا هنا صورة يد لطاعنة في السن تمسك بعصاها. الحركة هنا توحي بالمشي والاستمرار، أو صورة رجلين قبالة شط العرب وهما يديران ظهريهما للمدينة ويتوجّهان صوب الماء، الملاذ الآمن، وأمام هذا يضع مقطعاً من قصيدة الشاعر الراحل محمّد سعيد الصكار: «عندك وحدك، حين أحدث،/ يأخذ صوتي امتداداً ودفئاً وعمقاً/ أيّها الفرح المتنقل بين الشفاه وبين الضحايا/ أنت وحدك تمنحني عنفوان البكاء..".
أحمد محمود في كتابه الجديد، لم يلتقط صوراً فقط، بل ابتكر مشاهد وراح يعزّز من احتمالات معانيها في إيجاد مساحة للشعر، بانتقاء مقاطع 30 شاعراً وعلى مدار 80 صفحة مستطيلة القطع.