بعد قراءة «نيوميديا» للكاتب المغربي طارق بكاري («دار الآداب») التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة «بوكر» العربية، ثمة من القرّاء من يميل الى اعتبارها محاولة لتفسير الكل من خلال الجزء، ويرى فيها رحلة تستهدف التوصل الى تفسير كلّي لواقع تاريخي وسياسي وديني في المغرب. كل ذلك من خلال دراسة العلاقة بين البطل وقدره، بينه وبين عشقه لنساء أربع، وتحديد هامش الحركة الإنسانية الذي يُتيحه هذا القدر لبطل الرواية، في حين يُصادر شريحة ظالمة من حياته، بل وجوده بأسره، عبر مجمل التأملات الفلسفية لـ «مراد» في علاقاته العشقية بخولة، ونضال، وجوليا، الى عشقه الأخير لـ «نيوميديا» الأمازيغية الخرساء.
يستمّد عمل الروائي طارق بكاري أهميته من أبعاد عدّة جديرة بالاهتمام حقاً، وربما في مقدمتها إسقاط الكاتب أفكاره كافة، على حالات العشق التي تلبسته مع نسائه الأربع. كما أنها تفتح لنا من ناحية أخرى أفقاً جديداً في التعرّف إلى جوانب من إبداعات الأدب المغربي – الأمازيغي. وهي في جانبها الثالث تضعنا بين يديّ نموذج مُعتنى به، ومشتمل على رواية النضال ومآلاته، بمنهاج بنيوي يستهدف فتح آفاق جديدة أمام هذا النوع من الروايات، غير الضاربة الجذور في الأدب العربي. ثم نحن رابعاً أمام توظيف للعشق بمعناه الروحي والجسدي، في خدمة العمل والنسيج الروائيين، على نحو مُبالغ به في السرد أحياناً، لكنها في النهاية نظرة الكاتب الى غايته من روايته.
جوانب أربعة نهضت برواية بكاري، غير أن القارئ يجد فيها المزيد من الجوانب التي تفرض نفسها بقوة ووضوح.

تفسير لواقع تاريخي وسياسي وديني في المغرب

جوليا، العشيقة الفرنسية تكتب حكاية مراد المغربي، اللقيط والملعون من قبل أهل قرية "إغرم" التي وجدوه فيها، فنُبذ وأسيئت معاملته بالإهانة والضرب منذ طفولته، فلجأ مراد وكان اسمه في طفولته "أوداد" الى العشق كمخلص في محاولته الانتقام من القدر. «نوميديا» كانت غرامه الأخير، وهي بقيت في الرواية تتراوح بين الحقيقة والسراب. لحق بها مراد الى الغابات وطاردها منتعلاً قلبه. كانت نيوميديا تنبلج من بين أشجار تلك القرية الغريبة، ويظل يهذي بها حتى فقدانه روحه وحياته.
كما يحدث لذاكرة المخذولين، يستعرض الكاتب أقصى ذاكرة بطله مراد من أقواها تأثيراً حتى أبسط التفاصيل، فيروح القارئ يتابع السرد الهاذي، المبالغ فيه أحياناً، ليُثري حكايته الكبرى عن الشرق، عن ظلمه وخيانته للمبادئ، عن نسائه ونضال بنيه، وازدواجية فهم هذا النضال الى درجة الوقوع والرضوخ أخيراً تحت أسر الظالم طوعاً وحكماً.
عند طارق بكاري في "نيوميديا " ذلك الاستعمال لكل الوسائل الثقافية، وكل الأشكال الشعرية لإنارة ما يمكن لروايته أن تكتشفهُ: وهو الوجود الإنساني العربي تحديداً، وهذا يتطلب بالطبع، تحوّلاً عميقاً في شكل الرواية. في "نيوميديا" ميل الى التركيب، والتغيير في الشكل، ولكننا نتحفّظ في الوقت نفسه على تعدّد الأبعاد الثقافية في الرواية، الذي مع أنه هدف، لكنه يتطلب تكنيكاً من الحذف لم يحققه بكاري تماماً. الاسترسال أفضى في بعض المواقع الى نوع من الضبابية، وعدم الوضوح الذي عانت منه الرواية. العناصر المختلفة (نثر، سرد، شعر) ظلت متجاورة أكثر منها مندمجة في وحدة حقيقية متعددة الأبعاد: «جوليا أمامي، اشدّ على خصرها بأصابعي، وتستند ببلاطة ظهرها على صدري المُتعب، كنا معاً مستسلمين لغروب إغرم، لكن كل واحد منا يصغي لأوجاعه وهي تنتفض كسمكة سُحبت من إنائها. ها أنذا قد عدت إليك بعد ردح من الزمن يا إغرم، مُدّمى بأحزان غير تلك التي عرفتها، عانيت كثيراً وبطشت بي الحياة، ولا زلت رغم الخسارات واقفاً أردّد مع عجوز همنغواي مقولته الشهيرة: يمكن للإنسان أن يُدّمر لكنه لا ينهزم».
على الرغم من أن الرواية مكتوبة على لسان بطلها، الى الصفحات التي كتبتها عشيقته جوليا عنه، إلا أنّ الشكل الذي جاءت عليه الرواية، أساء الى حد في انقشاع الأفق الروائي. مع ذلك، تبقى «نيوميديا» عملاً كبيراً لاحتوائها على شيء لم يتحقق وهذه براعة تحسب للكاتب. إن بكاري كاتب ملهم ليس بما أنجزه في روايته، ولكن أيضاً بما هدف اليه ولم يستطع إنجازه. غير المتحقق في هذه الرواية، يبين لنا الحاجة الى فن روائي جديد، قائم على التعرية والتجريد الجذريين، بحيث يحتوي تعقّد وجود مطلق كائن، حتى أوداد، بأقل الكلام، ومن دون فقد الوضوح المعماري للرواية.