في تعليقه على رواية «الإخوة كارامازوف» لفيودور دوستويفسكي (1821 ـــ 1881)، قال أحد الرهبان مرة إنّ الروائي الروسي عرف كيف يبرر الكفر أكثر من الكفّار أنفسهم. بعد سنوات، صارت روايات دوستويفسكي من أبرز الأعمال الممنوعة في روسيا الإتحاد السوفياتي. ودعنا الروائي الروسي مع «الأخوة كارامازوف» التي أصبحت مرجعاً نفسياً لسيغموند فرويد، إلى جانب أعمال أخرى كـ «المقامر» و«الجريمة والعقاب». وهذه السنة، تحل الذكرى المائة والخمسين على صدور «الجريمة والعقاب» عام 1866 بشكل متسلسل في مجلة «الرسول الروسي». روديون راسكولنيكوف بطل الرواية الهارب من مسقط رأسه يصطدم بمدينة تلسعها الحرارة و«تفوح منها روائح» السكارى والفقر والقذارة. هذه المدينة ليست سوى سان بطرسبرغ، مسرح أحداث الرواية. يكتب راسكولنيكوف مقالاً في إحدى الجرائد، يبرر فيه أن التطور البشري يستمد استمراريته من العنف نفسه، وأن معظم «الرجال العظماء» اكتسبوا هذه الصفة من كونهم «هدّامين عظماء». انطلاقاً من هذه المعادلة، يقتل راسكولنيكوف المرأة المسنة التي يقترض منها مالاً!

وفي هذه المناسبة أيضاً، تستعيد المدينة الروسية أحد أعظم روائييها من خلال معرض حول أجواء الرواية القاتمة التي توغل في النفس البشرية عبر اختبارات وصراعات قصوى للخير والشر والإيمان والإلحاد والفقر والعدمية والعزلة. المعرض يحتضنه «متحف دوستويفسكي» في سان بطرسبرغ الذي سكنه دوستويفسكي مرة، ويضم نصوصاً من الرواية إلى جانب رسومات وأكسسوارات ومقتنيات من روسيا القرن التاسع عشر تحاول استعادة أجواء الرواية المعقدة والسوداء. ينصرف المعرض أيضاً إلى الخلفية الفكرية للرواية من خلال النصوص الدينية المسيحية والفلسفية. حتى اليوم، لا تزال أسئلة الرواية تظلل معظم النقاشات السياسية والنفسية والأخلاقية والوجودية في حياتنا المعاصرة. هذا ما دفع الفيلسوف الإنكليزي جوناثان غلوفر إلى اعتبار نقاش العنف والرجال العظماء الذي كتبه راسكولنيكوف في الرواية يشكل «خلفية» لحياتنا وحروبنا المعاصرة التي تبرر القتل بدعوى الحرية كما تفعل أميركا مثلاً، ليصبح عدد القتلى مجرّد أضرار جانبية. وبعيداً عن سان بطرسبرغ، انطلقت في المسرح الموسيقي في موسكو أمس أوبرا «الجريمة والعقاب» التي أنجزها السينمائي الروسي أندريه كونتشالوفسكي، بالتعاون مع الملحن الروسي أدوارد أرتيمييف.