سنان أنطون



بدأتُ الكتابة بشكل جدي في بغداد في نهايات الثمانينيات وكانت لديّ، بالطبع، رغبة عارمة في أن أنشر ما أكتبه من شعر ونثر. لكن الحقل الأدبي، كما المناخ السائد آنذاك، كان مكرّساً، عموماً، لثقافة الحرب والحزب وتبجيل القائد، بينما كانت نصوصي وهمومها نابعة من رؤية مضادّة لكل ذلك، كابوسيّة، شبه عدميّة. ولم تكن «ودودة البتّة» كما قال أحد زملائي في الجامعة حين حاول إقناعي بالتخفّف من تلك الحمولة. لكنّي سعيد جدّاً لأنّني لم أرضخ وحافظتُ عليها. المحاولة الوحيدة لنشر ثلاثة نصوص قصيرة في جريدة «الجمهورية»، عن طريق صديق شاعر (زياد طارق العاني، لا أعرف أين هو الآن!) اقترح إيصالها إلى المحرر الثقافي بيده، كان نصيبها الرفض لأنها لم تكن تعبويّة وفي غاية الكآبة! بعثتُ تلك النصوص بعدها إلى مجلّة «اليوم السابع» الباريسيّة التي نشرتْها ونشرتْ بعدها نصّين آخرين في ما بعد. وفرحت بها كثيراً. باستثناء ذلك، آثرت الصمت ولم أكن جزءاً من أي «شلّة» أو «جيل». اكتفيت بالقراءة والكتابة بصمت، بعيداً عن مهرجان العنف والدم. (ذاك المهرجان الذي يدّعي بعض مهرّجيه اليوم بطولات لم تكن، بينما انتظم آخرون كثر في المهرجان الجديد).
كنت مهووساً بجدلية السلطة واللغة، لا نظريّاً فحسب، بل في تمظهراتها في واقعنا اليومي، وتأثير الأولى على الثانيّة ومحاولة احتكارها ومراقبتها. قرأت رواية «1984» لجورج أورويل وهزّتني بعنف وأبكتني. فعلى الرغم من أنها كانت قد كتبت قبل ذلك بعقود طويلة عن الأنظمة الشموليّة والستالينيّة، فقد شعرت كأنها كانت قد كتبت للتو وعنّا.
أردت أن أكتب نصّاً روائيّاً عمّا كنّا نعيشه بكل بشاعته وجنونه، يختلف شكلاً ومضموناً عن السائد (هاجس البدايات دائماً). وفي عام 1989، تشكّلت لديّ نواة ما سيصبح لاحقاً روايتي الأولى. نصّ يسرده فرات، وهو طالب جامعي يقاد من قبل أجهزة الأمن إلى أقبية الأمن العامة لتلاعبه، خطابيّاً، بالحدود المرسومة، وربما لأنه تجرّأ كمواطن على التفكير والسخرية من السلطة ورموزها، ويتم «تأديبه» في السجن من قبل الرفاق. لكن أحد العاملين في السجن يحاول مساعدته ويعطيه ورقاً ليكتب بعدما سمع أنه شاعر. يتردد فرات في الكتابة لأنه يخاف ويظن أنّها محض خدعة للإمعان في إهانته. ثم يقرر المغامرة ويبدأ بكتابة هلوساته وكوابيسه، ويحاول ترميم ذاكرته وذاته التي هشمها التعذيب بالكتابة. وتكون اللغة الكوة التي يتسلّل منها من الزنزانة الصغرى إلى الكبرى ليظلّ هناك.

يفرحني أنّ روايتي تُقرأ اليوم في العراق والعالم العربي بعد سنين طويلة من صدورها

عملت على المسودة قليلاً في فترات متقطّعة ولم أكن مقتنعاً بالشكل. حين تركت بغداد في صيف 1991، لم أخاطر بأخذ تلك الوريقات معي، فظلّت مخبّأة في غرفتي مع كتبي. لكنّي كنت أعرف كل جملة كتبتها، وكنت متيقناً من أنني يمكن أن أكتبها من جديد. وهذا ما فعلته في عمّان التي كانت محطتي الأولى لعدة أشهر، فجلست وأعدت كتابة هيكل الرواية بخط يدي. في الولايات المتحدة، كنت سعيداً بحريّتي الشخصيّة. لكن علاقتي بالكتابة تغيّرت، لأسباب كثيرة ومعقّدة، بل أصيبت بعطب ما، وخصوصاً بعد بدء الدراسات العليا. بالإضافة إلى العمل وواجبات الدراسة والبحث، اشتدّت شراسة الناقد الداخلي. وأخذ صوته يصادر الأفكار حتى قبل أن تترجم إلى جمل يتيمة على الورق. وباستثناء نصوص شعرية قصيرة في فترات متباعدة، لم أكتب أي شيء لحوالى سبع سنوات. وأصبت بهلع وخوف من أنّني لن أتمكّن من كتابة أي شيء. ظل شبح فرات يعاودني وظل إكمال الرواية حلمي الأهم. أدركت بعدها أن ما كنت أمر به، وهو مزيج من الكآبة والشعور باللاجدوى من الكتابة والوجود بأكمله، أفادني كثيراً في التعمّق في أحد جوانب شخصية فرات وعلاقته بمخطوطته. كما أن كل ذلك التأخير والتأجيل ساعدني في العثور على الشكل المناسب للرواية في نهاية الأمر وبالدخول في معترك الرواية العربيّة بثقة وبقوّة. في حلقة دراسيّة عن المخطوطات في «جامعة هارڤارد» في ربيع عام 1999، تذكّرت الرواية وخطرت لي فكرة، وشوشتها في أذن فرات الذي كان ينتظر في زنزانته ويفكّر بما سيكتبه، وكانت أن يكتب بدون نقط، مثل القدماء، وبذلك سيتحايل على الرقيب المحتمل ويراوغه. ستسمح له الكتابة بدون نقط بالتلاعب باللغة ومعانيها ومحاكاة خطاب السلطة وسلطة الخطاب بطريقة تهكّميّة ساخرة. وتغيّرت نهاية الرواية. بعد أن يتم العثور على الأوراق التي كتبها فرات عند انتقال السجن إلى مجمع جديد، يتم تنسيب أحد «الرفاق» لتنقيط المخطوطة، أي للسيطرة على المعنى وتحديده، لكن المهمّة لن تكون سهلة البتة. وقررت آنذاك أن العنوان لا بد من أن يكون «إعجام».
أفرحتني فكرة الإعجام وأشعرتني بأنني عثرت على مدخل أفضل للرواية وعلى تجريب حقيقيّ. فبدأت بكتابتها من جديد في الصيف التالي. لكن التحضير لامتحانات الدكتوراه منعني من إكمالها حتى عام 2002 حين حصلت على منحة أكاديميّة سمحت لي بالتخلّص من أعباء التدريس والإقامة في القاهرة لسنة. وساعدني التفرّغ وأجواء القاهرة على العودة إلى كتابة الشعر بقوّة وإلى إكمال «إعجام». بعثت المخطوطة إلى «دار الآداب» ووصلتني رسالة تعلمني بأن لجنة القراءة توصي بنشرها. فرحت كثيراً بالطبع. ذكرتِ الرسالة أن أحد القرّاء أشار إلى صعوبة فهم الحوارات بالمحكيّة العراقية واقترح عليّ أن أكتبها بالفصحى. لكنّني كنت وما زلت مقتنعاً بهذا الخيار. كان من المفترض أن تصدر الرواية قبل الغزو الأميركي، لكنّها تأخرت ولم تصدر حتّى خريف 2003.
لم تكن فرحة لمس أول كتاب أنشره صافية، بل خالطتها مسحة حزن سببها خطأ جسيم. فقد سقطت، في النسخة المطبوعة، الهوامش التي يكتبها الرقيب محاولاً تفسير/ تحقيق مخطوطة فرات أو شرح بعض المقولات ولم تظهر في النص، وهي جزء أساسي من لعبته وفكرته! حين اتّصلت بـ«دار الآداب»، اعتذرت الأستاذة رنا إدريس عن الخطأ، واقترحت إضافة ورقة إلى الرواية نضع عليها كل الهوامش مع إشارة إلى أنها سقطت سهواً. لم يكن الحل مثاليّاً وللأسف، كانت نسخ كثيرة قد بيعت ووزعت بدون هذه الورقة وشوّشت القراءة. (قامت «منشورات الجمل» بنشر طبعة جديدة من الرواية بشكلها الصحيح الذي أردته لها في طبعة جديدة قبل عامين). لم يكن مناخ ما بعد الغزو الأميركي مثالياً ولا حتى ملائماً لاستقبال رواية مثل «إعجام» تشتبك مع خطاب البعث ومرحلة الدكتاتورية في العراق. فقد تُساء قراءتها بكل بساطة في مرحلة يحاول كثيرون فيها محو ماض تورطوا فيه أو تغاضوا عنه. مع ذلك، فقد ظهرت مراجعات متحمّسة أشادت بتجريبيتها وتميّزها ووصلتني رسائل كثيرة من زملاء وقراء في العراق والعالم العربي. مع أن الترجمة ليست بالضرورة مقياساً للجودة الأدبيّة، فمن الجدير بالذكر أن «إعجام» ترجمت إلى الإنكليزيّة والألمانية والنرويجيّة والإيطاليّة والبرتغاليّة. تعذّب المترجمون في محاولة العثور على مفردة تمسك بمعاني «إعجام» في لغاتهم، وهو أمر مستحيل. ما يفرحني كثيراً أنّها لا تزال تقرأ اليوم في العراق والعالم العربي بعد سنين طويلة من صدورها. وستصدر طبعة ثانية منها عن «منشورات الجمل» هذا الصيف. كما أنّها تدرّس بشكل منتظم في الحلقات المعنيّة بالأدب العربي والأدب المقارن وأدب السجون في جامعات في الولايات المتحدة وألمانيا.
تزامن صدور «إعجام» مع صدور ديواني الأوّل «موشور مبلّل بالحروب» عن «دار ميريت» في خريف 2003. لكنّه لم يوزّع، للأسف، بشكل جيّد ولم يصل إلى جمهوره المفترض. لذلك قررت إعادة نشره مع النصوص الشعرية التي كتبتها في السنين التي أعقبت صدوره والتي احتضنها ديواني الثاني «ليل واحد في كل المدن» (الجمل، 2010).
«إعجام» وأخواتها الثلاث وآخرهن «فهرس» التي صدرت في بداية هذه السنة، أكثر انتشاراً من الديوان. وقد أدّى هذا، وأسباب أخرى، إلى قيام كثيرين بتقديم «الروائي» على «الشاعر». لكن الشعر يظل، بالنسبة إليّ، البئر الأولى التي أعود إليها. إنّه صلاتي الوجوديّة (والتعبير محوّر من مقولة للشاعر والاس ستيفنس)، بغضّ النظر عن النشر والانتشار. كما أنه الرافد الرئيسي لكتاباتي الروائية ولرؤيتي. وتظل كتابته (وقراءته وترجمته) من ملذّات هذا الوجود العبثي. وأنا الآن بصدد جمع ما كتبته في السنوات الخمس الأخيرة لنشره قريباً. إذا كان أول كتاب صدر لي هو رواية، فأفضّل أن يكون آخر كتاب أنشره مجموعة شعرية!