* فصل من رواية «يينغ أر» للشاعر الصيني الراحل قو تشنغ


تقديم وترجمة عن الصينية: يارا المصري
هي الرواية الوحيدة التي كتبها الشاعر الصيني قو تشنغ وتُعدُّ اعترافَ حبٍّ للشاعرة والصحافية الصينية يينغ أر التي توفيت عام 2014، وهي بطلة الرواية كذلك، وكانت قد عاشت في جزيرة واهيكي عام 1990 مع قو تشنغ وزوجته. والجدير بالذكر أن هذه الرواية كتبها قو تشنغ بالاشتراك مع زوجته الشاعرة شيَّ يي، وكانت آخر أعمال الشاعر قبل انتحاره.
ولد الشاعر قو تشنغ في الرابع والعشرين من أيلول (سبتمبر) عام 1956 في بكين، وهو من أبرز الشعراء الصينيين المعاصرين، وكان من رواد ما يعرف بتيار "الشعر الضبابي ــ الرمزي" إلى جانب بي داو، ومانغ كي والشاعرة شو تينغ. أُتيحت لهذا الشاعر فرصة السفر والتجوال في أوروبا عام 1988، ليستقر في النهاية في جزيرة واهيكي في نيوزيلندا عام 1988. وفي الثامن من تشرين الأول (أكتوبر) عام 1993، قتل زوجته الكاتبة والشاعرة شيَّ يي بفأس، ثم هرع إلى أخته وأخبرها بما اقترفه، ليشنق نفسه بعدها على شجرة. أما زوجته، فقد توفيت في طريقها إلى المستشفى.

محكومٌ بالإعدام


ظهرتِ من حوض الزهور
بلا قدمين
فلم أشأ أن أدوسها


أُنصتُ إلى رحيلك بهدوء، إلى الحياة، وهذا أمر أبغضه. يذهلني السبب الذي يجعل الناس ترغب في الحياة، وأن تعيش يعني الحياة. أنا أذهب إلى الحياة كذلك، ثم أخرج منها، وأقف على الحدود. قلتُ لكم إنه أمرٌ سيئ، قد ذهبتُ من قبل، لكنكم لم تصدقوني، في الحياة الناس كثيرون، تعرض الحياة تلك الدمى الصغيرة في الشوارع، فتذهبون لرؤيتها؛ تعرض تلك المعجنات في الشوارع، فتأكلونها؛ تعرض تلك الأحذية، تلبسونها وترحلون بعيداً.
لا أنتمي بطبيعتي إلى الحياة، أمكث في غرفتي، ولا أسير في الطرقات. أرسم في غرفتي، ولا أراقب المناظر الطبيعية خارجاً، أقول كلامي، أسمع لغةً غير مفهومة، ولكن لا أحد هنا. أنظر إليَّ، لا أملك صوت روح، جُلُّ ما أملكه هو ما أعيش به، كُلُّ ما أحتفظ به في مطبخ، ورواق. حين أذهب إلى هناك، تأتون أنتم أيضاً.
حين تحكون لي أمور الحياة، أكون سعيداً للغاية: تقولون إن الطفل يقول إنه ركض في الشارع عاري القدمين، ثم دفع تلك الأبواب الضخمة الثقيلة، تقولون إنهم يلعبون الكرة، وإنكم تنثرون الرمل في الشوارع، ترشون الأشجار بالماء، تخبرونني ذلك فأكون سعيداً؛ تقولون إنه كَبُر، التحق بالجامعة، تقولون إن لديه منزلاً، زوجة، تقولون إنه......
نحن أبناء آبائنا وأمهاتنا، لكن في تلك اللحظة، لم نعرف ذلك. لكني حين آتي إلى العالم، أحمل روحاً. لا تجعلني أذوق طعم الحياة، بل تُشعرني بضجرها وابتذالها. تلك الألوان زائفة، مجرد طلاء، وتلك الأبنية الحجرية مشيدة. كنت أجلس دائماً في غرفتي، أجلس بين الجبل الثلجي والأحراج، أجلس في حصني المُتخيَّل. أضع بضع زهرات حولي، وأحجاراً جمعتها وأكواب ماء، منذ صغري وأنا بلا أصدقاء يلعبون معي هذه اللعبة، كانوا يعودون إلى منازلهم، ما أن يحل الظلام.
أنتم أبناء الحياة، وأنا كذلك. أما روحي فابنة الموت. تتوق إلى العودة إليه، كما تتوقون إلى العودة إلى بيوتكم، هذا أمر لن يتغير، ولعله السبب وراء كوننا نجتمع تارة ونفترق تارة أخرى، أحياناً أراكِ، أحياناً أحبكِ، لكنك ترينه في عيني، وتقولين: هيا بنا نمضي. أراقبكِ، وأقول: أحبكِ، أود لو تظلين معي، وتدخلين زنزانتي. ولا أعبِّرُ عن نفسي كما تعبِّرون أنتم، أودّ لو أهديكِ أيامَ الحياةِ كلَّها، وأعني، أهديكِ الحياةَ والموت. لا أحد بحاجة إلى تلك الهدية، لا أحد على الإطلاق. لأنكم أبناء الحياة، لستم بحاجة إلى الموت.
أما أنا فبحاجة إلى الموت، لأنه بالنسبة إليّ، حقيقي. وأودّ لو أهديه لكِ، لأنني أرى أنه هدية قيّمة، لا أملك شيئاً آخر، أَتعرفين، يمكن أن أهديكِ كل ما في العالم من أشياء، كعكة، مغرفة، جهازاً ما، كل البيوت المطلة على الشاطئ، أضعها في صندوق، وأهديها لكِ. لكني أعلم أن هذه الأشياء ليست لي، ولا ما أريد أن أمنحك. أي شخص باستطاعته أن يهدي لكِ تلك الهدايا. وستقبلينها، حين تقبلينها مني، بالتأكيد سوف تقبلينها من شخص آخر. هذا قانون الحياة. لا أملك أي شيء، أَتعرفين، في ما عدا روحي، في ما عدا تلك الحياة القصيرة لتلك الروح. أنتِ تريدينها.
أنتمي إلى الموت، أعلم ذلك. لكني لا أحبه، وأتمنى لو أن روحاً ما تصل إليَّ، أتمنى لو أستطيع إنقاذها، وألا تكون وحيدة. لا أعلم لو اجتمعت روحان، فهل سيكون مصيرهما الموت كذلك. ولكني على يقين، أن هذا ما أتوق إليه. هذا أمر ليس بمقدور الموت أن يبتكره، ولا الحياة، وليس بإمكان الموت أن يخلق الحب، لكننا حين نتلاقى، يصبح كل شيء ممكناً.
رحلتِ بهدوء، استلقيتُ، سمعتُ صوتَ خطواتك، تنزلين السلالم، بهدوء أيضاً؛ سمعتُ صوتَ خطواتك تحت المطر، هادئة كذلك؛ إلى أن سرتِ بعيداً واستعدتِ صوتَ خطواتِك العادية.
جميعكم تمضون إلى الحياة، والناس في الحياة كثيرون، فلماذا تودّين معرفتي؟