لم يجرِ النظر إلى تجربة محمد الماغوط في قصيدة النثر العربية بجدية كافية من قبل «جيل الرواد» في الشعر العراقي، فنازك الملائكة لم ترَ فيه سوى «أديب لبناني!! ناشئ يكتب خواطر، ونثراً اعتيادياً» حتى أنها أعادت ترتيب سطور قصيدته على وفق النثر العادي، وليس لتقطيع قصيدة الشعر الحر، في إشارة مبكرة وربما غير مقصودة للشكل الكتلوي لقصيدة النثر، مع أنها أولَتْ عناية نقدية ما لتجربة توفيق صايغ، وامتدَّت هذه النظرة «الريادية» لشعر الماغوط حتى التسعينيات مع نوادر البياتي المعهودة وهو يصفه بـ «هذا الذي يجلس في مقهى الشام ويكتب قصيدة النثر!» رغم أنه كان يفضِّل شِعرَهُ على شِعْر أنسي الحاج!
إلا أن هذا التهوين الذي يقارب الاستهانة بتجربة الماغوط من قبل «جيل الرواد» في الشعر العراقي، سيغدو نوعاً من الشعور المتبادل، إذ لم يأبه الماغوط كثيراً بالمقابل لشعر الرواد، واكتفى باحتفاء من نوع خاص بالسياب بوصفه أيقونة الشهيد الشعري وتعويذة الميت في وجه شرور الأحياء! فكتب عنه قصيدة شعرية وشهادة نثرية تنوسان بين الإشادة والسخرية، فهو ذلك الذي «دخل الحزب الشيوعي كما ركب الحافلة الخطأ» وهو «التعس في حياته وموته». واللافت هنا أنه حتى وهو يرثيه، فإنه ينعته بصفاتٍ ليست معتادة في شعر الرثاء العربي، فشعر الرثاء في جوهره نوع من المديح واستحضار مناقب الغائب. إلا أن الماغوط ينادي ممدوحه الغائب: «أيها المغفَّل» في انحراف لافت للرثاء من التأبين إلى التأنيب، لينهي تلك المرثية لا بدمعة وإنما بقهقهة وسخرية كبرى من سعي الشاعر الكسيح نحو الجنَّة: «لن تبلغَ الجنَّةَ أبداً، الجنَّةُ للعدَّائين وراكبي الدراجات».
الصراع السياسي بين جناحي البعث في العراق وسوريا، والموقف القومي المتصلب لدى طائفة من شعراء الستينيات البعثيين في العراق إزاء مجلة «شعر» التي تبنَّت ظهور تجربة «حزن في ضوء القمر» أسهم كذلك في خلق جوٍّ مضاد لهذه التجربة، رغم أن عدداً منهم انحاز إلى كتابة القصيدة اليومية، لكنَّهم كتبوها بصيغتها الموروثة عن البياتي وسعدي، مع الاحتفاظ بإيقاع الرواد، فالقصيدة اليومية وشعر التفاصيل، لدى حسب الشيخ جعفر وسامي مهدي وحميد سعيد ذات تراث وأداء مختلفين، فهي متجهِّمة وأقل مرحاً! في خليط شعاريٍّ وليس شعرياً من «الواقعية الاشتراكية» و«الفرح الثوري» حيث يوميات العامل والمناضل محلّ إشادة وتبجيل، وليس إدانة وتنكيل مقذعين كما لدى الماغوط.

لم تكن تجربة «حفيد القرامطة» مرئية في المشهد العراقي إلا في وقت متأخر

ولهذا لم تكن تجربة «حفيد القرامطة» مرئية بشكل واضح في المشهد العراقي إلا في وقت متأخر نسبياً، وبشكل أكثر صراحة وتكثيفاً لدى شعراء الثمانينيات، مع تداول أعماله الشعرية في بغداد بطبعتها الأولى الصادرة عن دار العودة عام 1981.
لعلَّ هذه التفاعلات المتعدِّدة جعلت من شعر الماغوط «نخبوياً» داخل الذائقة الشعرية العراقية نفسها، وليس شعبوياً ومتاحاً للجميع كما هو حاله الطبيعي في بلاد الشام، ومنعته من أن يكون مؤثراً تأثيراً حاسماً في قصيدة النثر العراقية، بمعنى أنك لا تستطيع إحالة تجربة واضحة لشاعر عراقي أو أكثر، إلى أرومة ماغوطية بحتة كما قد يحدث بيسرٍ مع تجارب سورية وشامية عموماً. لكن، بلا شك، كان لصاحب «العصفور الأحدب» حضور ما، حضور كتلك العروق الصعبة داخل فسيفساء القصيدة التي تتشعَّب في مرجعياتها وتأثراتها، خاصة لدى تجارب جيلنا التي دأبت على شغفٍ بالتنوع وعلى قلق البحث والانفتاح غير المحدود على التجارب المتمرّدة، إذ ستجد تلك الآيرونيثيا المتهكمة، والنكتة، والمفارقة، بقدر أو بآخر لدى شعراء بارزين في جيلنا يتمتعون في نفوسهم بقدرة أساسية على الضحك الأسود: نصيف الناصري أو ناصر مؤنس أو الراحل رياض إبراهيم أو لدى شعراء لاحقين كحسين علي يونس وعلي حبش وسواهما:
«لبنان يحترق/ /يثبُ كفرس جريحة عند مدخل الصحراء/وأنا أبحث عن فتاةٍ سمينةٍ/ أحتكّ بها في الحافلة!»
على صعيد تجربتي الشخصية، يمكنني القول بأنني استفدت من تلك «البساطة الصعبة» في إغناء القصيدة المركبة لديَّ، فنزعة البناء الملحمي التي تستهويني عادة، لم تمتنع عن الاستجابة للأشياء العابرة في هذا العالم الصغير المأهول بالانكسار، والرغبة في أن يكون الاحتجاج والجوّ الإنشادي متمتعاً بظرافة ما، وخلق آيرونيثيا إغريقية داخل المفارقة البلاغية عندما يستلزم حضورها لإدامة الدهشة.
في كتابي عن جيل الثمانينيات العراقي، وصفت الأصوات المغايرة لدى ذلك الجيل بـ «الجيل البدوي» وكنت أعني إشكالية علاقته بالمؤسسات، والدولة، والوطن، والدين، ومجمل المفاهيم والقيم المرتبطة بها، وتمجيده للفوضى والاحتجاج النهليستي كشكل من أشكال الحرية، بهذا المعنى سيبدو نموذج صاحب «الفرح ليس مهنتي» و«البدوي الأحمر» مرجعاً واضحاً ونسقاً طبيعياً في متون ذلك الجيل، فمعه نصطدم بالقصيدة الأشدّ رفضاً وظرفاً، والأكثر براءة، ربما إلى حد السذاجة، ونرى كيف تكون الموهبة العزلاء والعارية كافية وحدها للفت الانتباه، ونلمس تلك النزعة البلاغية الساخرة من الأب والعائلة والمحيط الاجتماعي بل ومن الوطن برمته.
عادة ما توصف تجربة الماغوط في «قصيدة النثر العربية» بذلك الوصف الذي اعتاد النقد العربي القديم إطلاقه على الشاعر المفلق بأنه «نسيج وحده»، وهو ما دأب الماغوط على ترسيخه بنفسه في حياته وشعره بالإصرار على أولية الفطرة وأصالة الموهبة البحتة، مع إشارات عابرة ربما إلى تأثيرات ما لتجربة ابن مسقط رأسه «سليمان عواد» ليس في التخلي عن الوزن في القصيدة فحسب، بل في خطاب التشرد والرفض وشفافية الحزن الداخلي كذلك، ومع بهذا بقيت صورة الشاعر المتفرد و«نسيج وحده» نعتاً ملازماً ومريحاً للماغوط.
في إحدى زياراتي له في شقته بمنطقة المزرعة وسط دمشق، سألته هل كان يصل «السلمية» شيء من الشعر العراقي في الخمسينيات، وما إذا اطلع على تجربة حسين مردان! فضحك وقال لي: أنا كنت مزارعاً، وصدِّقني لم أقرأ حتى ذلك الوقت من الكتب إلا كتاب الله: القرآن! ومع هذه العفوية المريحة والمريبة في آن واحد، هل ينبغي لنا أن نتقبَّل فتوحات الصدفة في الشكل الشعري لدى الماغوط؟ وهل بمقدور هذا الادعاء وحده أن يجعلنا نصدق أن قصيدة النثر لديه ما هي إلا وحي يُوحى من ذلك الكتاب!

* شاعر وكاتب عراقي