زياد خداش



لم أجد من يزجرني: «اسكت يا ولد». لم يكن هناك من يركلني على مؤخرتي. كنت وحدي تماماً مع حرائقي السخيفة ومخيلتي البسيطة، حين كتبت عن نفسي ما كتبت، في ذلك الصيف الفلسطيني الغارق في التباسه السياسي واللغوي، كنت ابن عشرين، وقضية وطنية صارمة الحدود، ومخيم لا يُسبّح فيه الا بحمد حلم القتال والعودة، وكنت ابن فقر ثقافي وروحي وجسدي عميم، فلا كتب جديدة تصل، ولا تجارب عالمية في المسرح والسينما والرقص نعرفها، ولا حتى مغامرات شخصية كافية ومقنعة في الجنس والحب، كانت العادة السرية طريقتي في البوح عن وحوش ذهني وجسمي.
ربما يجد البعض لي بعض تبرير: «يا جماعة كان صغيراً في السن، كان مجرد ولد، ابن مناخه، طفل فضائه، يزهو بنتاج كان يظنه مختلفاً، والمرحلة التي كتب فيها ما كتب كانت انتقالية، محروقة الوجه ومشوشة العقل، ليس ذنبه أبداً هو ذنب المرحلة». لكني لا أظن أن هذا مقنع، أو ربما أريد أن أجلد ظهري بسياط الذنب، فثمة متعة فظيعة في الاعتراف بفضيحة ما، أو ثمة راحة في تصفية الحساب مع مرحلة ما.
انظروا فضيحتي في مقدمتي للكتاب: «لكنني أزعم أنني اجتهدت طويلا حتى أختطّ لنفسي مضامين لم تُطرق في القصة الفلسطينية المعاصرة وهي المضامين التي تعالج تفاصيل العذاب الفلسطيني الانساني في بعده الاجتماعي بعيداً عن الصراع السياسي المباشر في تقسيماته الكلاسيكية المملة: مناضل فلسطيني عندي مقابل محتل صهيوني غاشم».

الآن حين أقرأ «عاصفتي» من جديد، أخجل من نفسي، وأرمي بالكتاب جانباً

وعلى الغلاف الخلفي للمجموعة التي صدرت عام 1990 كتب الناشر (أحد قادة فصيل يساري وكنت أعمل عنده بائع كتب متجولا) كلاماً يتطابق تماماً مع مهمته الماركسية في الحياة: أن يفسّر ويتبنى ويوضح ويقرر.
إلهي من أين أتيت بكل هذه الثقة وهذا الرضى المرعب عن الذات وهذا الوضوح في الرؤية؟ الولد ابن المخيم الذي هو أنا يتحدث عن مضامين لم تطرق، وصراع مختلف، والحقيقة أن لا المضامين جديدة ولا الصراع مختلف، والقارئ لقصص المجموعة سيذهل من حجم الكذب وشكل الفضيحة التي تورط فيها مستر خداش الصغير، فهي تنغل بالمضامين التي ذبحت قولاً، ولغتها بلاستيكية لا ماء فيها ولا عمق، لكن المفجع ليس هنا فقط، كانت الساحة الثقافية الفلسطينية خالية من زعران الثقافة الأصيلين الذين كان يُتَوقّع منهم إشباعي صفعاً وجراً من الشعر في شوارع الكتابة؟ مرت فضيحتي بهدوء دون أن يلحظها أحد، ويكشفها الآن (بجرأة من المحتمل أن تكون نادرة) فقط مرتكبها، تطهراً أو تنظيفاً لقولون روحه، أو تنصلاً من إدانة ربما تكن لاحقة وربما تكون أقسى، أو حماية للغته من أول كتبه التي ستظل تلاحقه حتى قبره، كان كتابي الأول «عادتي السرية» في الكتابة. كانت يدي تضاجع ذهني. تماماً هكذا.
طرقتْ أوسلو باب رام الله. فتحت رام الله الباب، فتدفق الجنود الفلسطينيون المتحمسون الدامعون، وفجأة هبط فوق ذهولي محمود درويش بكامل هيبته، وحين سقط بحر يافا فوق رأسي صحوت تماماً، صار لي دور آخر في الحياة. قلت للمخيم بغطرسة غير متوقعة: اسمع وَلَه: أنا منك، ولكني لستُ تمامأً إليك، ثم اكتشفت للحنجرة واليد واللغة استخدامات جديدة. في السابق كنت أصرخ على الجنود المحتلين ساخراً أو ضجراً أو حاقداً. الآن منحت إمكانية الصراخ الوحشي الحر، فقط لتجريب صوتي كما نقول لبعضنا تندّراً، صراخ أزعر بلا كراهية أو تشفٍّ، دون أن أنادي على أحد، أو أشتم شخصاً ما. كانت يدي مبرمجة لثلاث مهمات: كتابة النص الرديء المطيع والمحدد، رشق الجنود الاسرائيليين بالحجارة، ولتحسس عضوي. صارت يدي الآن ناضجة لتحسس نهدٍ حقيقي كبير أو لكتابة نص كبير، ولرشق اللغة بحجارة الغضب. حرقتُ حقول اللغة الجافة على مرأى من القمر المليء والواضح، وانطلقت لغتي الجديدة حرة تغني، تحاول أن تبحث عن حقها في توسيع أفق المفردة والصورة، رأيت ليل رام الله الطويل، صاخباً بالمقاهي والمسارح والهاينكن، والبنات المجنونات، والمعلومات القادمة مع العائدين، ليل دسم بمثقفيه الجدد الذين لطالما سمعنا عنهم، صار لليلنا طعم آخر.
ثم انفجر «موعدي البذيء مع العاصفة»، كتابي الثاني الذي أعتبره أول كتبي، استقبله الناس بدهشة، وكتبوا عن ميلاد اتجاه جديد في السرد. والواقع أن الذي كتب هذا الكتاب ليس أنا بالضبط، كتبته يدي الجديدة وفمي الذي من شراهة وطعم آخر. في تلك اللحظة، لحظة اكتشافي لاستخداماتي الجديدة، أدركتُ حجم فضيحتي الأولى، ذهبتُ الى المكتبات العامة، سرقتُ نسخ الفضيحة، وألقمتها نار محرقة مستوطنة «بيت إيل» القريبة من مخيمي، نعم ارتكبت جريمة قتل كتاب، والمصيبة أني لم أنتبه الى أنني اعتديت على حق شريكتي فيه، ظننتُ أني أخفيت معالم الجريمة، لكن كاميرات المكتبات قبضت على سرقتي، وصار في رصيدي فضيحتان، فضيحة الكتاب وفضيحة سرقته.
«موعد بذيء مع العاصفة»، أول كتبي الذي اعتبره أول الملامح، كانت وزارة الثقاقة الأردنية قد عرضت نشر عشر مجموعات قصصية فلسطينية دعماً للثقافة الفلسطينية، فأرسلت لهم مخطوط كتابي الجديد، لكن وزير الثقافة الأردني انتبه بينما كان يقرأ عناوين الكتب التي سيوقع على نشرها، الى كلمة «بذيء» فطلب شطبها، فاتصلوا لي طالبين إذن الشطب، لكني رفضت بقوة، فأبلغوني شرطهم لنشر المجموعة، وهو إزالة البذاءة من العنوان.
كان الروائي المرحوم عزت غزاوي، رئيس اتحاد الكتاب الفلسطينيين آنذاك، قد قال لنا نحن مجموعة من جيل سرد التسعينيات، في وقت لاحق: «أنا على استعداد للمغامرة في طبع كتب تدمر الوجه التقليدي للكتابة الفلسطينية، لقد ملّ القارئ الفلسطيني نصوص الانفعال والوصف السطحي والشخصيات والنهايات المتوقعة، والنمطية، والانتقام والهتاف، أعرف أن ذلك لن يمر بسهولة لكني مستعد لذلك». في كتاب «موعد بذيء مع العاصفة» كتب مالك الريماوي: «في هذا الكتاب، عاصفة لغوية، مفاجأة أطاحت فضاء العبارة الفلسطينية»، بينما أشار القاص صالح مشارقة الى «احتشاد هذه المجموعة، بكل ما ينسف مسلمات تعاطينا مع الوطن والحرية واللغة»، لكنّ المتشككين بجدوى التغيير والخائفين من تبعاته، كانوا بالمرصاد، كانوا يعرفون بأن التغيير الجمالي هذا سيطيح عروشهم اللغوية، ويزلزل مكانتهم الأدبية، بل ويهدد مواقعهم كأنبياء للحرف ومحتكرين للحقيقة الوطنية، ومنظرين للدفاع التقليدي عن الوطن وحمايته من الاحتلال والعملاء. فاللغة السردية الجديدة بمناطقها ومساحاتها غير المعتادة ستسحب منهم هذه القدرة على استخدام فلسطين، مطيّة متاحة للركوب الوظيفي والمَجدي والديني، فرجموا كتابي وكتب زملائي الجديدة بالسخرية والاتهام بالتغريب، والتأثربالغرب، واللالتزام والذاتية، وسمّوني «كاتب النهد الفلسطيني»، وراحوا يتناقلون ساخرين من جملتي التي كنت أكررها في معرض الحديث عن مفهومي للحرية والوطن: «الجسد قبل فلسطين». لكن هذه الموجة المعادية انسحبت تحت ضغط التغييرات الجديدة في كل شيء، رموزها غادروا مواقعهم، واكتسبت نصوصنا الجديدة شرعيتها، وحقها في الوجود.
ما زلت أذكر لحظة الاتصال: تعال يا زياد عاصفتك جاهزة، لا مجال لنسيان إحساسي محاطاً (في دار النشر القريبة من اتحاد الكتاب في منطقة «الرام» القريبة من القدس) بأصدقائي السرديين المجانين، أقلّب كتابي الجديد، بين أصابعي. احتفلنا بالكتاب بالصراخ والغناء والركض في شارع «ركب» برام الله ليلا، وكان الناس يستغربون هذا التجمع الشبابي الفوضوي الخالي من اللافتات الوطنية وصور الشهداء والأعلام والهتافات. كان المشهد غريباً على الناس الذين تعودوا تظاهرات من نوع محدد. كانت هذه تظاهرة من كتب ورقص وصراخ غامض غير مفهوم، كنا أحد عشر صديقاً وصديقة، نحمل فقط كتباً وعلب بيرة، بيد نشرب من الزجاجة، وبيد أخرى نلوّح بالكتب.
الآن حين أقرأ «عاصفتي» من جديد، أخجل من نفسي، وأرمي بالكتاب جانباً. صحيح كان هناك انفجار لغوي غير معتاد، وطريقة مختلفة لرسم للشخصية، واستخدام لتقنيات الحلم والفوضى الزمنية والهذيان، وجرأة في البوح الجسدي، ولكن كان هناك أيضا الكثير من الشعر المقحم، والشهوة غير الموظفة بشكل جيد، والمبالغة في إعطاء الشخصيات طابعاً تمردياً مجانياً، والكثير من الانشاء والزهو اللغوي الأرعن، ويبدو أن إحساسنا ورغبتنا المحمومة بالتغيير والخروج من سجن اللغة والوطن، جعلنا نبالغ في الأمل والاستعراض.
وحين أنظر الى تلك الأيام، كهلاً في الخمسين، أشعر أن احتفالنا ورقصنا في الشوارع لم يكن بسبب الكتاب الجديد بطبيعته الانتهاكية للخطاب اللغوي السردي آنذاك. كان الكتاب أحد إفرازات العصر الجديد، بلغته المختلفة، وروحه المتمردة على مفاهيم سابقة لحرية الجسد والكتابة والوطن.