بقيت الفتوحات الإسلامية نحو مئتي عام في منأى عن انشغالات المؤرخين العرب في توثيق وقائعها، إلى أن التفت إليها البلاذري في «فتوح البلدان»، ثم الواقدي في «فتوح الشام»، والأزدي في «تاريخ فتوح الشام» إلى كتابات مؤرخين آخرين بدرجاتٍ متفاوتة. لكن مشكلة هذه المراجع تتمثّل في اعتمادها الروايات الشفهية، وهو ما خلق اضطراباً في تسلسل الأحداث، عدا هيمنة الأهواء والميول السياسية والمذهبية التي أثّرت في طبيعة معظم الروايات، خصوصاً في ما يتعلّق بالفتنة الكبرى التي هزّت أركان الدولة الإسلامية بين الإمام علي بن أبي طالب، والخليفة الأموي معاوية بين سفيان والتي ستترك آثارها واضحة إلى اليوم.
اعتنوا بالقصص الخارقة على حساب التوثيق التاريخي الدقيق

في كتابه «الرواية السريانية للفتوحات الإسلامية» (دار التكوين- دمشق)، يلفت تيسير خلف إلى أن المصادر التاريخية السريانية تُعد ثروة حقيقية للباحث في تاريخ هذه الفتوحات، نظراً إلى حياديتها حيال الروايتين الإسلامية بمختلف تشعباتها، والبيزنطية المقتضبة إلى حدٍ كبير. وإن عانت من ثغرات علمية، إلا أنها تبقى «أكثر المصادر تماسكاً وانسجاماً، نظراً لأن السريان دوّنوا الأحداث في وقتها، وقد توفّر لهم أكثر من مؤرخٍ عاصر زمن الفتوحات» في القرن السابع الميلادي، وكان أبرز هؤلاء المؤرخين مار ميخائيل الكبير الذي سيعتمده هذا الكتاب كمصدرٍ أساسي في توثيق الفتوحات الإسلامية، لتمتعه بالمصداقية من جهة، وعدم تأثره بالمراجع العربية الإسلامية، من جهةٍ ثانية. يرصد هذا المؤرخ الخريطة السياسية للمنطقة قبل ظهور الرسالة المحمدية والدور الذي لعبه العرب في مصير الإمبراطوريتين الفارسية والرومانية اللتين كانتا تتصارعان على المنطقة. انضمت القبائل العربية إلى جانب جيش القيصر الروماني يوليان في محاربة الفرس، وأسبغت عليه لقب «ملك كل العرب»، لكنه لم يقدّم لها معونات الذهب التي كانت تقدّم عادة إلى سادات القبائل، فانحاز قسم من هذه القبائل إلى الفرس وحاربوا عسكر يوليان وألحقوا به خسائر كبيرة، انتهت بمقتل يوليان. كذلك لعب الغساسنة دوراً كبيراً في وقف التوسع الفارسي باتجاه الغرب، لكن سياسة الإمبراطور البيزنطي جستين تجاه ملك الغساسنة المنذر بن الحارث وابنه النعمان أدت إلى احتضار مملكة العرب الغساسنة بسيطرة الفرس العسكرية على كامل بلاد الشام (613- 614)، والاستيلاء على مصر وفلسطين. لكن الحرب لم تتوقّف بين الروم والفرس. بصعود ملك الروم هرقل إلى الحكم (610) أرسل وفداً إلى كسرى ملك الفرس طالباً الصلح، لكن كسرى رفض عقد الصلح، وتوغّل أكثر في أرض الإمبراطورية الرومانية في غزوات متتالية، انتهت بانتصار الروم على الفرس. بعد وفاة النبي محمد، أرسل خليفته أبو بكر أربعة جيوش إلى فلسطين ومصر وفارس والعرب المسيحيين، وحققت انتصارات لافتة، سيكملها خلفه عمر بن الخطاب بفتح بلاد فارس، ثم هزم الروم في معركة «اليرموك» فاتحاً بذلك بلاد الشام، وسوف تُستكمل الفتوحات لتصل إلى قبرص والقسطنطينية وأرمينية.
في تحليله لمضمون الرواية السريانية للفتوحات الإسلامية المبكرة، يشير تيسير خلف إلى أن أهمية «الراوي السرياني» تأتي من موقعه كمراقب من داخل الحالة العسكرية البيزنطية بتوفّر مؤرخ مثل سرجي بن إيوانيس الذي اطلع عن كثب على بعض الوقائع المهمة المتعلقة بالحروب الفارسية الرومية، فيما غابت عنه المعلومات الدقيقة للمعسكر الإسلامي في فترة الفتوحات الأولى، ولن تتوافر المعلومات بشكلٍ واضح إلى أن دخل السريان في عداد جيوش معاوية بن أبي سفيان. ورغم انفراد هذه الرواية بمعلومات مهمة لن نجدها في مصادر أخرى، إلا أنها، وفقاً لما يقوله هذا الباحث، ستعاني من الخلط والتحوير وسوء النسخ، فيما يخصّ أسماء المواقع الجغرافية في جنوب سوريا. ويلفت إلى أن موقف السريان من البيزنطيين كان معادياً على خلفية الخلاف الديني حول طبيعة السيد المسيح، ما أدى إلى انقسام الكنيسة الذي كانت نتيجته انفصال كنيسة بيت المقدس عن أنطاكية واستقلالها بنفسها، ما عرّض السريان للاضطهاد، لذلك أيدوا المسلمين «بوصفهم مخلّصين من وطأة الاضطهاد اليوناني»، فأطلقوا على عمر بن الخطاب لقب «المخلّص»، وهو أحد ألقاب السيد المسيح. لا ينفي هذا إيمانهم بالعقاب الإلهي، وهو ما نجده في روايتهم لأخبار الفتوح الإسلامية، واعتنائهم بالقصص الخارقة التي تتواءم مع تصوراتهم، على حساب التوثيق التاريخي الدقيق. من جهةٍ أخرى يرى الباحث في إعادة تركيب صورة هرقل بأن الرواية السريانية كانت الأكثر مصداقية حول هذه الشخصية الإشكالية، نظراً لامتلاكها حججاً وبراهين مقنعة في نزع صورة البطل المنتصر، كما وردت في الرواية البيزنطية والرواية الإسلامية، على أن أهم ما انجزته الرواية السريانية هو التسلسل التاريخي للفتوحات، رغم بعض الثغرات، ما يسمح بتركيب تسلسل زمني رصين، يزيح التواريخ الملتبسة جانباً، ويغلق بعض الثغرات المتعلّقة بالفتوح التي دوّنها المؤرخون العرب، على أن قارئ اليوم وهو يستعيد تلك الوقائع سيقول أمام تمزّق الخرائط «ما أشبه اليوم بالبارحة».