نيويورك ـ حنان الحاج

بعد 700 عام على مماته، لا يزال ابن بطوطة أمير الرحّالة المسلمين يجول العالم. لكنه لا يخبرنا هذه المرّة قصصه في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار، بل يطل كسفيرِ المسلمين للنوايا الحسنة إلى العالم. في «رحلة إلى مكّة» (2009) يغادر ابن بطوطة، وهو ابن الحادية والعشرين، مسقط رأسه طنجة إلى مكّة المكرمة «حازماً نفسه على هجر الأحباب من الإناث والذكور، ومفارقاً أحبابه مفارقة الطيور للوكور»، لأداء فريضة الحجّ. هذه الرحلة استغرقت 18 شهراً، قطع فيها آلاف الكيلومترات، وتعرّض لعواصف هوجاء، وقطّاع طرق استولوا على كلّ ما يملك، من دون خليل يواسي وحشة ليله. ثم أجبرته هذه الصعاب على اللحاق بقافلة الحجّاج، التي تمرّ بدمشق بدلاً من عبوره وحيداً البحر الأحمر الذي كان مقفلاً في وجهه.
هذا الشريط الدراميّ الوثائقيّ (45 دقيقة) الذي يُعرض اليوم في بعض المتاحف والمراكز الثقافية والعلمية في الولايات المتحدة، لم يكن سهل التنفيذ. انتظر الفريق سنتين ونصف سنة لتصوير عشر دقائق من العمل، قبل أن يحصل أخيراً على 85 إذناً من السلطات السعودية تسمح للمرّة الأولى بتصوير الحجّاج عن قرب وهم يطوفون حول الكعبة الشريفة، ويؤدّون مناسك الحجّ. وبهدف تصوير قافلة الحجّاج على طريق دمشق، استعان المخرج الشهير بروس نيبور بأكثر من ألف دابّة، و500 كومبارس وسار بهم في خطوط ملتوية بين كثبان الرمال في الصحارى المقفرة. وقد استغرق العمل على الفيلم أربع سنوات بميزانية قُدّرت بـ 13 مليون دولار أميركي.
يعرّفنا الوثائقي المرويّ بصوت الممثل بن كنغسلي إلى ابن بطوطة. ويصف لنا مناسك الحجّ ـــــ بمباركة السلطات الدينية في السعودية ـــــ بأسلوب تصوير يُعدّ من أبرز عوامل القوّة في العمل. تعمّد المخرج استخدام نظام الـ IMAX الذي يجعل الصورة أكبر من حجم الصورة السينمائية التقليدية، ويجعل المشاهد يتماهى مع الشخصيات. وقد لجأ إلى التصوير من كاميرات وُضعت في طائرات مروحية على ارتفاع شاهق تحلّق بسرعة فائقة، ليَشعر المشاهد بأنه يطير.
هكذا، يُدخلنا المخرج إلى عالم ابن بطوطة، الذي يبصر نفسه في بداية الشريط يطير إلى مكّة لتأدية مناسك الحجّ. يتحوّل حلم الرحالة الشهير بالطيران إلى مكّة حقيقة تبلغ حدّ الهلوسة. حين يرى المُشاهد الحُجّاج يدورون حول الكعبة بسرعة كبيرة، يخال نفسه درويشاً صوفيّاً يلفّ بدوران سريع يبلغ النشوة. تتنقّل الكاميرا بين تطواف ابن بطوطة حول الكعبة وتطواف الحجّاج المعاصرين، حتى يكاد المشاهد يفقد الحسّ.
لطالما فضّل الغربيون الجانب الصوفي من الإسلام، على الطابع الاجتماعي والسياسي للمجتمعات المسلمة. لكنّ الحضور لم يكن كثيفاً في «مركز الحرية للعلوم» في ولاية نيوجرسي، حيث توجد أكبر شاشة IMAX DOME في أميركا. الأغلبية كانت بملامح شرقيّة، فيما حضرت الوحوه الغربيّة للتعرّف إلى شيء من حضارة العلماء العرب والمسلمين.
أعجب بعض المشاهدين بشخصية ابن بطوطة، وخصوصاً أنه تفوّق على كبار الرحّالة بعدما قطع ثلاثة أضعاف المسافة التي قطعها الرحّالة الغربي ماركو بولو. ورأى بعضهم أنّ المخرج استعمل اسم ابن بطوطة للترويج لرحلة الحجّ. فيما أظهر بعضهم الآخر إعجاباً بالمشاهد الدينية المؤثّرة، وخصوصاً أنّه لم يكن لديهم معرفة سابقة بهذه المناسك المقدّسة بالنسبة إلى المسلمين. أمّا بعض النقّاد، فرأوا أن الفيلم لم يكن يحتاج إلى التصوير بتقنية الـIMAX لإبراز مناسك الحجّ ورحلة ابن بطوطة.
تعاون على إنتاج «رحلة إلى مكّة» كلّ من جوناثان باركر، تاران دايفس ودومينيك كوينغان ريد وأخرجه بروس نيبور. العمل من بطولة المغربي شمس الدين زينون، في دور ابن بطوطة، وقد توفيّ الممثل بعد انتهائه من تصوير الفيلم بحادث سير. قُدّم الشريط باللغتين العربية والإنكليزية، ومن المقرّر أن يُترجم لاحقاً إلى اللغات الفرنسية والإسبانية. أمّا الموسيقى التصويرية، فأنجزها مايكل بروكس بالتعاون مع بيتر غابريال، وجاءت الموشّحات الدينية والأدعية بصوت الشيخ السوري حمزة شكور.