عمان ـ علاء طوالبه


حالما تعلن الشمس انسحابها من شوارع العاصمة عمّان يلملم «أبو علي» كتبه ختاماً ليوم مثقل بضجيج المدينة في شارع «الملك فيصل الثاني» في قلب العاصمة الأردنية.
يبدأ أبو علي بترتيب الكتب، فيما يرمق المارة بنظرات نهائية بانتظار آخر الزبائن لـ«بيعة مسا» علّه يختتم بها يومه. قبل أن ينفض عن ملابسه غبار الصحراء المتطاير مرتشفاً آخر فنجان قهوة ليومه. مضت أربعون سنة منذ أن بدأ السبعيني حسن علي البير الملقّب بـ«أبو علي» يحترف بيع الكتب، وصار صاحب أقدم كشك لبيع الكتب في العاصمة الأردنية عمّان، ليعلنه المثقفون والأدباء «وزير ثقافة ظل».
يؤكد أبو علي «أن بيع الكتب يزداد بشكل أكبر في الصيف»، ويعزو ذلك الى توافد أعداد كبيرة من السيّاح الى البلد الذين يعرّجون على كشكه، يتفرّجون، وينتقون بعض الكتب القديمة التي لم تعد متوافرة في المكتبات. ويتابع «سعر الكتب تضاعف عما كان عليه سابقاً، لذا فإن الإقبال على الشراء حالياً بات أضعف، فضلاً عن انتشار الإنترنت والفضائيات». وتبقى الكتب الأكثر رواجاً من التي تتوافر في كشكه «هي الرواية والكتب السياسية»، كما يقول، مع العلم أنّ الكشك لا يحوي الكتب الأكاديمية التي يحتاج إليها طلبة الجامعات.
بدأت شهرة الكشك بفضل تميّزه ببيع كتب مهمة، تعود الى السبعينيات من القرن الماضي. فحظي أبو علي بثقة جيل من المثقفين والأدباء والشعراء من أمثال الشاعر العراقي عبد الوهاب البياتي والشاعر الفلسطيني سميح القاسم والروائي عبد الرحمن منيف، والمفكر البحريني محمد جابر الأنصاري، والأديب الأردني مؤنس الرزاز، وعدد من الكتّاب الصحافيين في الأردن. حتى كبار مسؤولي الدولة لم يستطيعوا الانفكاك عن الوقع الأدبي الذي يمثّله الكشك الشهير، ففي مقرّه الثقافي يزوره رؤساء وزراء سابقون، ووزراء، وكبار مسؤولي الدولة.
بات «كشك أبو علي» مَعلَماً من معالم المدينة يصعب تجاهله، فقد أمسى ملاذ الباحثين عن زادهم اليومي من غذاء الروح والعقل منذ بواكير العمل الثقافي، فمنذ نحو أربعين عاماً وأبو علي يرسم صورة واقعية للحراك الأدبي في العاصمة الأردنية عمان، ممثّلاً «باروميتر» لحجم النشاط الثقافي، في بلد لا تزال الثقافة فيه رهناً للسياسة. وبعد إقفاله آخر الأغلال لباب الكشك، ينظر أبو علي الى اتجاهات الشوارع المختلفة وقد غطّت بعض جوانب وجهه المطمئن شعيرات بيضاء كثّة، قائلاً «يتملّكني هذا المكان بشكل كبير وغريب».
بدا صاحب كشك الثقافة العربية بصحة جيدة، حين أعلن أن الاشتياق الى البدايات صار طقساً يومياً يمارسه عند رؤية حال الناس، مبدياً أسفاً غير منقطع حيال بداياته في العمل.
ثمة حال من الارتباط بينه وبين زبائنه من مثقفي البلد وأدبائها، إذ كان لا بد لهم من أن يمرّوا بالكشك لاستطلاع الكتب والصحف الجديدة العربية والمحلية الصادرة حديثاً، والاطمئنان إلى أحواله، فقد بات الكشك محطة توقّف لا بدّ منها حتى لو لم يكن الهدف شراء الكتب.
وقد كرّم الملك الأردني أخيراً أبو علي بمنحه وسام الاستقلال من الدرجة الرابعة، «بفضل ما قدمه في مجال الثقافة الى جانب أربعين شخصية أردنية».