strong>بلال عبود


لماذا يبلغ سعر الـ«تاتو» في صبرا حوالى نصف سعر الـ«تاتو» نفسه في الحمرا أو الزلقا؟
ما الفرق؟ وكيف تحدد الأسعار؟ ولأية درجة ترتبط بشكل الوشم وحجمه والشروط الصحّية؟ هل تعاني صناعة الرسم على الأجسام في لبنان من فوضى في ظلّ غياب الرقابة الصحية والمالية عن المحال التي تؤمن هذه الخدمة؟ وإلى أي مدى انخفضت حدّة «حساسية» المجتمع والأهل تجاه أصحاب الأوشام؟

أصبح الوشم على الأجسام ظاهرة منتشرة انتشاراً كبيراً بين الشباب اللبناني سواء من الإناث أو الذكور، وقداختلفت دوافع كل منهم وأسبابه للحصول على «التاتو» الذي خفّ اعتراض الأهل عليه عما كان في السابــــــق. وازداد عدد من يمتهنــــــون «التوشيــــــم» مع ارتفاع زبائن هذا المجال. فأصبحت هناك «صالونات» متخصصة في الوشم. وإن العديد من مزيّني الشعر والحلاقين وحتى أصحاب محال بيع الثياب أضافوا الى بضائعهم خدمة الرسم على الأجساد وإن بشكل غير مباشر من خلال تأدية دور الوسيط بين الزبائن وأحد رسامي الوشم.
استقبل خليل صالح أول وشم على جسمه وهو في عمر 9 سنوات. لا يذكر سببـــــاً محــــدداً لهذا الوشم، إلا أنه أراد أن يُظهر «أنه أصبح شاباً». ومنذ ذلك الوقت أصبحت الأوشام تغطي كل جسمه ويديه وحتى رجليه، وفقاً لتتابع الأحداث التي تمر في حياته.
يرسم خليل أوشامه بنفسه في معظم الوقت إلا إذا كان الرسم في منطقة تحتاج إلى شخص آخر فهو في هذه الحالة لا يثق إلا باسم واحد لهذه المهمة: صديقه المعروف باسم «فنان رومية» الذي تعلّم معه رسم الوشم عندما كانوا سجناء في رومية. وهي المهنة التي يمارسها خليل بعدما أنهى محكوميته، إذ يعتبر أن ما يقوم به هو «حاجة أساسية» لا يستطيع العيش من دونها، فالرسم هو الموهبة التي «يريد أن ينمّيها»، وخاصة أنها الطريقة الوحيدة للتعبير عما يجول في داخله من مشاعر وأفكار. وقد أصبح يُعرف بين شبــــــــاب منطقـــــتـــــه الفقيرة في بئر حسن بلقب الملك (في الوشم) وهو يوافق تماماً على هــــــــذا القول.
تختلف محال أو مراكز الوشم حسب المناطــق والحالات الاجتماعية الموجودة فيها، إلا أن أصحاب هذه المهنة بعضهم قد درس هذا الفـــــنّ وبعضهم الآخر يرسم بالفطرة، ولكن مهنة الرسم على الجسد باتت مثلها مثل أي خدمة أخرى تأتي تحت شعـــار «تنـــــــال بمقــــــــدار ما تدفع». في المناطق الفقيرة، مثلاً، يتم الحصول على الوشم إما في محال صغيرة تنتشر في الأسواق الشعبية وإما عبر رسام يحمل عدته على كتفه ويدور في الأحياء والأزقة بحثاً عن الزبائن.
وتراوح أسعار الوشم في محال صبرا والمناطق الشعبية بين 20 ألف ليرة للرسوم الصغيرة و200 دولار إذا كان الوشم كبيراً ويغطي منطقة كبيرة من الجسم. الأدوات المستخدمة في هذه المحال بسيطة جداً، إذ البعض يقوم بتركيب الآلة بنفسه ولا يتكلف عناء شراء آلة الوشم الحديثة. يُستخدم الحبر الصيني في عملية الرسم لكن معظم المحترفين في هذا المجال ينصحون باستخدام «خلطة سحرية» تُعدّ عبر حرق مواد كربونية موجودة في رباط مطاطي وتذويبها لتتحوّل «لوناً لا يُعلى عليه».
في شوارع بيروت الراقية يتحول اسم «محال الوشم» الى صالونات تجميل تجمع بين عدة أنواع من مظاهر التزيين، بينها الرسم بالحنة و«التاتوتدير ريما أحد تلك الصالونات في شارع الحمرا وقد درست الوشم في معهد متخصص قبل أن تتابع عملها في ما تراه فنّاً قائماً بحدّ ذاته. وتعتقد أن الموهبة من دون دراسة لا تؤدي المطلوب، فعملية الوشم تحتاج الى دراسة مجموعة عوامل قبل البدء بالرسم مثل معرفة أحوال الجلد وعيار الإبرة وغير ذلك. تستخدم في عملها آلة حديثة جداً تخفف الألم الى أكبر قدر ممكن «إلا أنها لا تزيله نهائياً».
تقوم ريما بوشم الرجال والنساء، والتكلفة لا ترتبط بحجم الرسمة بل بمقدار ما تأخذه من جهد ووقت، أما أعلى سعر لوشم قامت به فهو 700 دولار.
هناك أناس كثر يلجأون إلى الوشم كإجراء تجميلي لتغطية بعض الحروق أو تشوّه جلدي. تؤكد ريما أن دافع الرجال إلى الحصول على «التاتو» يختلف عن دافع النساء. «أكثر الفتيات يردن شيئـــــــاً للزينة يزول بعد فترة»، بينمــــــا الوشــــــم عند الرجل هو «لتحقيق شعور بالقوة والظهور».


نشأة الـ «تاتو» وتاريخه

اعتُمدت الأوشام منذ أيام الفراعنة كإشارة رمزية أو ككلمة سرية في العلاقة بين مجموعة محددة من الأشخاص أو الجمعيات السرية. وبدأت هذه الظاهرة بالنشوء أيضاً في المناطق الآسيوية حيث كانت القبائل والمجموعات الروحية تميّز نفسها بـ«دقّ» خطوط رفيعة ونقاط على أيديها تميّزها من باقي القبائل، وتحدد الوضع الاجتماعي لكل نفر (متزوّج أو أعزب). وكلمة «تاتو» هي من أصل تاهيتي وتعني «العلامة» ولا تزال منتشرة بكثافة في تلك المناطق. ما لبثت هذه الظاهرة أن انتقلت بمختلف أشكالها الى اليابان وأميركا وأوروبا فتحول الوشم إلى ظاهرة عالمية لها مدارسها ومعارضها ومحترفوها المشهورون على الصعيد العالمي. وأصبح بالإمكان عبر الإنترنت تبادل الرسوم والأشكال الفنية التي «تصلح» أن تطبع على الجسم. أما في المجتمعات الشرقية فكان الرسم على الجسم للنساء (وخاصة بالحنّة)، ومع الوقت أصبحت النظرة الاجتماعية إلى الوشم أقل رفضاً له، على الرغم من أن الأديان تحرّم هذه الظاهرة لأنها ترى فيها «تغييراً في ما قد خلق الله».