دبي ــ رندة العزير


فجأة أفردت وسائل إعلام غربية مساحة للحديث عن عباءات النساء في الإمارات. هكذا نشرت محطة «سي أن أن» الأميركية تحقيقاً عنها في موقعها الإلكتروني، وكذلك فعلت وسائل إعلام أخرى. لا يمكن ربط هذا الاهتمام بمناسبة أو حدث معين، لكنه أسهم من جديد في الحديث عن العباءة، وإن تم تقديمها وفق صورة نمطية تجعل كل العباءات متشابهة ترتديها النساء لإخفاء أجسادهن.
العباءة شيءٌ من الستر، ويشكل ارتداؤها أحياناً رغبة في التعبير عن الهوية. كأنها زيّ وطني غير حيادي. تلتصق حكايتها الراهنة بالخليجيات على وجه الخصوص، مع أنها لم تعد حكراً على المرأة الخليجية وحدها.
هي قِبلة دور الأزياء العربية ـــــ المغربية بشكل خاص ـــــ والغربية كالدور الفرنسية، يتفنّن المصممون في ابتكار القصّات والألوان والتطريزات الفاخرة والتزيين بمختلف أنواع الأحجار الكريمة. المُعرِضَات عن العباءة بين الإماراتيات قلّةٌ يزداد التشكيك في التزامهن الديني والأخلاقي أحياناً، فيما يبدو خلعها في الكويت أمراً عادياً. كثيراتٌ يسألن ويتساءلن خِفيَةً، عن سبب اختيار اللون الأسود للمرأة في بلاد ترتفع فيه الحرارة، فيما اللون الأبيض الأقل امتصاصاً من حظّ الرجل وحظوته. وما زالت الإماراتيات اللاتي عاصرن فترة ما قبل النفط وبعدها بقليل يعبّرن عن استغرابهن لـ«اجتياح» العباءة والتصاقها بصورة الإماراتية على عكس ما كان عليه الوضع تاريخياً. بعيداً عن التمييز الجنسي الذي يتناساه الجميع في غمرة البحث عن الموضة والظهور والإغواء، تبقى العباءة سرّاً يستر أكثر مما يكشف جمالاً تنفرد به المرأة الشرقية والعربية، يلهم ويغوي بلا نفور، تتقن المرأة اللعب من خلاله على وتر المحجوب والمرغوب. عديدات في الإمارات يرين في العباءة مفتاحاً من مفاتيح الإغراء المقنّع، يلبسنها ويتهادين في مشية تجذب وراءها الطمع الذكوري. البعض يرتدين العباءة على عجل، في حين تسبغ أخريات على زيّهن لمسات الدلال والغنج المتاح. عن تاريخ العباءة العربية، يقول محمد علي مدير منطقة الشرق الأوسط لشركة سواروفسكي للتصاميم إنها «أتت من بلاد فارس حين كانت قطعة سوداء كبيرة من دون أكمام توضع على رأس المرأة. وبسبب الحرارة المرتفعة وعدم توافر المكيفات آنذاك، لم يكن من المحتمل أبداً ارتداء ثوب أسود ضيق على الجسم، فلم يكن بدٌّ من استعمال العباءة السوداء الفضفاضة».
بمرور الزمن، صارت العباءة أكثر تنوّعاً لكن أضيق وأقلّ بساطة. تواكب أحدث صيحات الموضة، وتكتمل مع «الشيلة» أو غطاء الرأس فتتضاعف التكلفة التي تبدأ من 300 درهم إماراتي وتتجاوز الثلاثة آلاف أو يزيد. تتبارى الفتيات في ما بينهن على ارتداء الأغلى سعراً والأفضل نسيجاً وتماشياً مع الموضة. وللحديث عن العباءات مفردات ولغة خاصة ومكثّفة يفكّ أسرارها من يختبر الحاجة إليها، فهي النافذة الأمامية لأناقة مزدوجة تمزج بين الشرقي المعلن والغربي الخجول أحياناً. في كل الأحوال، يجمع الكلّ على أن العباءة العربية رمز للتمسك بالهوية الإسلامية، فنراها في الاتجاه الدارج في شهر رمضان تلتف بها إلى جانب الإماراتيات والخليجيات، فلسطينيات وسوريات ومصريات وغيرهن.