كامل جابر


لا تزال ذاكرة المسنّين من أبناء النبطية تنعشها تلك التقاليد والصناعات التي درجت عليها أسواق المدينة من العشرينيات إلى منتصف السبعينيات من القرن الماضي.
وإذا كانت بعض الصناعات قد تلاشت تماماً بفعل ما تعرضت له بسبب الاحتلال الإسرائيلي على مدى خمسة وعشرين عاماً متواصلة من جهة، وبسبب تطور الصناعات والمستورد من جهة ثانية، فإن بعض هذه “الصناعات” التي كانت تنفرد بسوق خاصة فيها استطاعت أن تنفذ إلى بداية القرن لتنعش الذاكرة بالحنين إلى أيام العزّ الغابرة.
مهنة السكّاف من أهم المهن القديمة التي كانت تتوزع دكاكينها على جانبي مدخل حي السرايا القديمة، وفي جانب من حي الميدان حتى تجاوزت الأربعين، وكان يعمل في كل واحد منها معلّم واكثر من ثلاثة صبيان، وفي أحيان كثيرة صاحب الدكان وأولاده، وخصوصاً في فصل الصيف حيث كانت للأولاد مصدراً لمصروف الشتاء والمدارس مع متطلبات الصيف. وعرفت هذه المهنة عزّها بداية القرن الماضي وصولاً إلى أواسطه ثم بدأت تـــــــتراجع في النصف الأخير.
عائلات كثيرة كانت تعــتاش من هذه الصنعة، وكانت تقوم إلى جانبها محال تؤمن المواد الأولية لها من جلد ونعل ومسامير وغراء عدا السكاكين الخاصة والقوالب اللازمة.
بائعو “الكرستي” في النبطية لازموا هذه الصنعة حتى أواسط الستينيات أو بداية السبعينيات، ومن أشهرهم عبد الكريم ومحمد سعيد صبّاح، وحيدر خليل شميساني وولده محمد، وكامل يوسف جابر ومحسن شميساني ومحمد اسعد شميساني.
أما آخر السكافين ممن استمر في مهنته فهو محمد حيدر سلوم، حيث ما زال رواد الحي أو العابرون في مدخله يسمعون طرق سندانه، فقد رفض أن يلجأ إلى العمل في مهنة إصلاح الأحذية التي تدر أضعافاً مضاعفة من صنعته الأصيلة، على رغم أن روّاده وزبائنه باتوا قلة من مزارعين أو من سكان منطقة صيدا وخصوصاً بعدما فاقت كلفة إنتاج الدكان، كلفة إنتاج المصانع الكبيرة أو المستورد.
سلوم تعلم الصنعة على يد خاله منذ كان في الثامنة، لكنه لم يستطع تعليمها لأحد من أفراد عائلته، ويقول: “ربما كانوا محقين في الهروب من أتونها، فهي بالكاد أن تؤمن القوت اليومي”.
ومن المعلمين القدامى الذين تركوا المهنة أو قضوا: خليل الحاج علي، وسعيد درويش، وسليمان سلوم، والحاج محمد سلوم، ومنيف سلوم، ومحمد جابر، والحاج وهبي الزغبي، وبهاء الدين أبو خدود، وأشهر سكّافي الجزمات طالب كلوت.
وبضاعة النبطية كانت تجول في أسواق جديدة مرجعيون وعديسة وبنت جبيل والخان قرب حاصبيا، وفي مناطق صيدا وشحيم وغيرها، وكانت تكفي جميع من يعملون بها.
وقد أُخذ العديد من هؤلاء الحرفيين عنوة أيام الحرب العالمية الأولى إلى دمشق لتصنيع أحذية للجيش.