فريد بو فرنسيس


منذ زمن بعيد عرف الطرابلسيون الصابون المعطر والملون والمصنوع في أشكال جميلة ومختلفة عن النمط التقليدي، عرفوه لأنه من نتاجات خان الصابون الذي يعدّ معلماً مهماً ويشكل جزءاً من تاريخ المدينة وذاكرتها. بعضهم توارث المعرفة بأساليب تصنيعه، وثمة من لم يتخلّ عن الطرق التقليدية في تحضيره. ويشكل الخان نقطة جذب للزبائن، ولكنه أيضاً مكان يقصده زوار المدينة للفرجة

لحظات الهدوء نادرة في خان الصابون في طرابلس نهاراً، يعج الخان يومياً بالسياح والزوار. مهما تبدلت الظروف السياسية في لبنان، تبقى الحركة قائمة، تخف وتيرتها أحياناًلكنها لا تنقطع أبداً، ويبدو الخان أخيراً مساحة لاستقبال نشاطات ترفيهية وثقافية.
يركّز مستثمر الخان بدر حسون على المناسبات والأعياد لتفعيل الحركة فيه، ويعدّ حالياً برنامجاً مكثفاً من النشاطات احتفالاً بموسم الأعياد المقبل، وستقام أيضاً “صبحية” كبيرة تجمع فاعليات في طرابلس والشمال، وسياحاً أجانب.
وكان الخان استضاف سهرة رمضانيّة حضرتها شخصيات وفاعليات المدينة وهواة الطرب الأصيل.
من سوق الصياغين الشهير في طرابلس، تشدّ الزائر رائحة الصابون المطيّبة والمعطّرة. يدخل الخان من بوابته المرتفعة، وهي عبارة عن قاطع مستطيل مجوّف ينتهي بعقد مقوس تتناوب فيه الحجارة البيضاء والسوداء. وما زالت الأرض مرصوصة بقطع الحجر التيبناها بها عام 1480 والي طرابلس يوسف بك سيفا كثكنة عسكرية، مؤلفة من طابق أرضي فيه غرف كبيرة أعدت كإسطبل للخيول، وحوّلت الآن الى محلات تجارية لها أبواب تطل على الساحة الفسيحة، وتتوسطها بركة ماء كبيرة. فيما يتألف الطابق الأول من غرف كبيرة كانت مخصصة للجند، وتطل هذه الغرف على الباحة السفلية للخان.
ومع احتلال الأمير فخر الدين لمدينة طرابلس، وهروب آل سيفا، بقي الخان مهجوراً مهملاً دون استعمال أو اهتمام من أحد إلى أن تقدم تجار مدينة طرابلس بطلب إلى الحاكم الجديد لتحويل الثكنة الى مصنع وصالة عرض للصابون ومشتقاته. ومنذ ذلك الحين تحولت الثكنة الى خان لصناعة الصابون وبيعه وسمي “خان الصابون”.
يعود عمر صناعة الصابون في طرابلس إلى آلاف السنين فيما الطرابلسيون هم أول من عرف هذه الصناعة نظراً لتوافر موادها بكثرة في المدينة وضواحيها.
وتوسّعت تجارة الصابون مع بداية القرن الحادي عشر وبشكل كبير انطلاقاً من أوروبا. ومن المعروف أن الحكام الأوروبيين كانوا لا يستحمون بل يتعطّرون. من هنا كانت خطوة تعاون الكيميائيين والعطّارين في طرابلس التي أدت الى اختراع صابون معطّر بات يؤخذ كهدايا للأمراء والوجهاء الأوروبيين بسبب شهرته الواسعة، وراح الطلب عليه يزداد وقد تفنّن أهل الخان في تصنيعه وتطويره وتميزه بالألوان والعطور والأشكال المنحوتة. وفي السنوات الأخيرة وصلت نسبة السياح الأوروبيين والأجانب الى 80 في المئة الذين يأخذون الصابون الطرابلسي المفيد كهدايا ترمز إلى طرابلس.
“الثورة الصناعية” طالت صناعة الصابون كيميائياً وبتكاليف أقل، بدأ العاملون في هذه الحرفة يهجرونها شيئاً فشيئاً. ظل آل حسون من العائلات القليلة في طرابلس التي حافظت على صناعة الصابون حتى اليوم واتخذت من خان الصابون مركزاً لها. ويعمل في الخان بدر حسون وأولاده التسعة ليحافظوا على إرث العائلة.
ويتعاون بدر حسون وأطباء وخبراء أعشاب لينتجوا أكثر من 400 صنف من الصابون والتي هي كما يليالصابون الطرابلسي المطيّب: تركيبة هذا الصابون على قاعدة “العطر يرضي الروح” وهو عبارة عن أعشاب عطرية وزيوت عطرية وعسل. فالعسل مهمته حفظ العطر في الصابون ونقله الى مسامّ الجلد والصابون ينظف بنعومة فيصبح الجسم نظيفاً ومعطراً. أهمية هذا الصابون أن قوة العطر الذي يفوح منه يؤثر على النفسية لذلك يقسم الى مجموعات، بعطر الإثارة للعرائس وأخرى بعطر هادئ للراحة ومنعش بعد يوم عمل طويل.
خلال مواسم الأعياد والنشاطات الفنية والثقافية يعج الخان بالناس ليل نهار، لكنه في الأيام التي تغيب عنها المناسبات يبدو في الليل مكاناً مهجوراً، آلات تصنيع الصابون وحيدة في باحة من باحاته، وسلات منتوجات أهل الخان مخبأة داخله.
يغطس الخان في سواد الليل ليبدو كأنه يعيش وحشة الوحدة، ومع خيوط الشمس الأولى يستعد لاستقبال العائدين إليه.