جميل قاسم


عاد الفنان اللبناني موسى طيبا (Moise de Thebes كما يحب أن يسمّي نفسه) من «شارتر» في فرنسا الى «بنت جبيل» متأبطاً ريشته وعدّته ولوحاته الأربعين التي أنجزها في ثلاثة وثلاثين يوماً ونيف، ثم نقل معرضه إلى بلدة جنوبية أخرى هي جويا، وبعد أيام سيحمل اللوحات إلى بيروت وقد تمضي به الرحلة إلى مدينة لبنانية أخرى.
«غيرنيكا بنت جبيل» أو لوحة «مروج الدم» ملحمة بانورامية لونية (زيتية) صاغتها ضربات الريشة، في نصف ساعة ــ كما يقول الفنان. يتجاور فيها الأحمر الدموي، بأخضر الطبيعة القتيلة، بأسود الألم، ويتلاحم الأحمر مع البني (التراب والدم) ويظل في الأفق فسحة زرقاء لأمد تضيق لولاها رقعة العيش والوجود والإقامة في المكان.
لوحة «النقاط السبع»، تصير بياناً تشكيلياً، ولوحة «الحلقة المفرغة» تعلن أنباء المواجهات الضارية في الخيام (بركة الدردارة) وياطر التي تسقط طائرة، وخطوط تعلن الذهاب: «الى حيفا وما وراء حيفا و«بيروت مقابل تل أبيب»، حتى العفولة!».
ويهدي الفنان ألوانه المنشورة على اللوحات الى الأرض التي جرّحتها قنابل «نوبل»، الى قلب الأم المكلوم فوق التراب، الى أمه الأديمية ــ الآدمية. وفي لوحة «هذيان الموت» تجتمع الهواجس بالشهادة على الحدث. في أعمال موسى طيبا ثمة جدليات ثلاثية دائماً، الأطروحة، والنقيضة والجميعة، قابيل وهابيل وأوديب، لبنان ــ المقاومة ــ الموت. المدرسة ــ غاليري المقاومة والتحرير ــ هي مرآة تزامنية تطورية للماضي والحاضر والمستقبل، ومكان إقامة تشكيلية يفيد المستقبل. الألوان عند طيبا، ليست حيادية، حتى لو كانت «رمادية» ــ لأنها تصبح أساساً للونية شاملة ببعدها الكوني التكاملي. الأسود، البني، الأزرق: كل هذه الألوان هي ألوان «ملتزمة» بلوحة الحياة والوجود والموقف الإنساني. الزرقة هي السماء والبحر والصفاء، الأخضر هو لبنان بطبعه وطبيعته ومجاله وجماله، وهو الأمل بالحياة والانتصار على الشر الأنطولوجي والحسد الأنطولوجي... هو خضرة الشجر والعيون الجميلة والأشجار في جبل عاملة ولبنان. والأحمر هو لون الحياة والشهادة والبطولة.
والأسود، عنده، ليس لون الحزن والكرب ــ بل له فلسفة أخرى، ولكنه أيضاً لون الموت... من أجل البعث والولادة الجديدة.
تتفاعل العناصر التشكيلية اللونية مع الحقول والتلال والجبال والوهاد، وصفحات السماء، والبحر، وغضب الأمواج، وموسيقى الريح، وأغاني المطر، وحنو الشمس، كلها تتداخل وتتحاور في سيمفونية الوجود، بقلق وتسآل درامي وجودي، في علاقة الفنان بموضوعاته، الحياة، الموت، الحب، الضغينة، الحرية، السلام والحرب. وتأتي الخطوط والأشكال والأحجام، منبعثة من روح الفنان، وهواجسه الأنطولوجية ــ بل الهواجس العادية ــ في ظاهرية الصراع مع الطبيعة، وقوى الشر المضادة للطبيعة والحياة والخير والحق والجمال.
وليست «حقول الدم» عند موسى طيبا حقول موت، بالضرورة، بل هي حقول خصب وحياة وبعث وكينونة وخلود، في ما يتعدى الموت.
ويشرح موسى طيبا المنهج والطريقة في إعداد معرضه: «كنت أستيقظ كل يوم، عند الساعة السادسة صباحاً، أرتشف قهوتي وأتناول فطوري على عجل، ثم أنهض الى محترفي على مبعدة مئتي متر، فأرى بلاط الشوارع، بلاطة بلاطة، أشاهد في كل بلاطة لوحة أو توثيقاً أو تفصيلاً من تفاصيل الحرب، وكل لوحة صفحة، وكرمة مضيئة، وأرض زيتون. البلاط مرايا متعاكسة للحدث. هكذا تتحول الأفعال الى أعمال مرئية، تحيل الرأي الى رأي مجرد بل رؤية ورؤيا.
الأرض، عند موسى طيبا، الفنان ــ الفلاح، هي أرضه وعرضه، هي أمه، بالمعنى الميثولوجي الخصب. وهي علاقة أوديبية بامتياز. والمرأة هي النبع المقدس، المحيط من الماء، والجدول، الصافي، الرائق، الماء العذب، الفرات: وهو ماء الحياة.



قصة العودة
موسى طيبا الفنان ابن الجبل، جبل عاملة، وقرية طير بيخا (الطائر المقدس باللغة الميتولوجية) يأتينا، بغتة، كعادته، على أجنحة الأثير كالطائر المدبّج بالريش الملون، واصلاً الأزرق اللازوردي، بالأزرق السماوي، والأخضر الميتولوجي بألوان الربى، وأشجار الزيتون، وسمرة السحنة بلون الأرض والأديم، وتجاعيد الوجوه بتجاعيد التلال. اللون الرمادي، حتى الرمادي له في خديه وشاربيه احتمالات الرخام والحجارة، التكعيبية، والهندسية البنائية، كأن شكلانية الحجر والبشر من المقالع التشكيلية ــ الطبيعية نفسها.
يأتي موسى طيبا، حاملاً ريشته ولوحاته من شارتر الى بنت جبيل وقانا وياطر، طائراً، بالطائرة (هل هي الطائر المقدس في ميتولوجيا ما بعد الحداثة؟) كي يحول الماء خمراً، و«الزيت» عرساً، وأنابيب الألوان جياداً صاهلة، ووجوهاً آدمية تصرخ في وجه الطغيان: «من حقنا مقاومة الاحتلال».