إبراهيم طعمة


“الكيل ليطفح والوزن ليرجح” مثل شعبي حفظه المزارع الشمالي حنّا إبراهيم رزق عن والده، وهذا الأخير اعتبر بدوره نصيحة والده (الجد) مساراً يحدد سلوك المزارع في حياته العملية. فميزان حنا لا يمكن أن يكون إلا راجحاً، وتالياً لا يحتاج الى رقابة مصلحة حماية المستهلك، سمعته كالذهب والكل يثق به ويعرفون أن ميزانه متوازن كميزان العدل الذي لا يتأرجح يميناً وشمالاً مع الهوى السياسي.
إصرار ميزان حنا على الثبات في رجحانه، مرتبط بمفهوم فطري ومتوارث لدى المزارع المسن يتعلّق بصدقية العلاقات التبادلية بين الناس، ونزاهة عملية البيع التي يراها عملية “استبدال حاجة بحاجة أخرى” بعيداً عن جشع حسابات الربح والخسارة، وتراكم القيمة الزائدة.
يستبدل حنا ما فاض من إنتاجه الزراعي ليوفّر احتياجات عائلته المكونة من خمسة أشخاص هم والدته وزوجته وابنتاه، ويقول إن “ما يكسبه من مال لا يجد الى المصرف سبيلاً”. حنا لا يعرف نظريات “تراكم الثروة”. هو صاحب الأرض التي تنتج مزروعات يبيعها بنفسه، يساعده في عملية الزرع والحصاد أفراد الأسرة، لا يحتاج إلى اليد العاملة، ولا يحب استغلال الآخرين.
عندما يحين وقت القطاف يُخرج حنا “ميزان البركة” كما يصفه، وهو مصنوع يدوياً من عصا خشبية يتوسطها “الشقال” (المسكة)، وتتدلى من طرفي العصا كفّتان من الكاوتشوك السميك والمرجّح ان يكون من بقايا إطارات وعجلات. توضع في إحدى الكفتين الأوزان التقريبية ــ وهي عبارة عن مجموعة من الحجارة المتفاوتة الأحجام ــ وقد جُهّزت سلفاً بمقاربتها مع أوزان حديدية رسمية.
الدقة في الأوزان الحجرية ليست مطلوبة، “لأن الوزنة يجب أن تكون طابشة دايماً”، كما يقول حنا، معلّلاً ذلك بقوله: “لا يجوز إلا نكرم الزبون ونرضيه، والرزق يحتاج إلى أن ندفع عنه زكاة، هكذا تأتي البركة في الموسم المقبل، لماذا لا نسعد الناس، أليس ذلك أفضل من الحرب؟”.
عندما يحين موعد القطاف والجني في كل موسم من المواسم الثلاثة التي احترف إنتاجها هذا المزارع: بطاطا، بندورة، ذرة، يستيقظ حنا كل يوم قبل الفجر، يسرج بغله، ويحمّله بما يستطيع هذا الحيوان، وأحياناً أكثر قليلاً حسبما تقضي الحاجة. عندها يضطر حنا الى النزول عن ظهر البغل والسير على قدميه، “لأن المصلحة هيك بدا”. ويمضي حنا في مسيرة قد تستغرق النهار بأكمله، وكثيراً ما تصل حتى مشارف الليل، “حتى يفضا الخرج من الحمولة، فالخضار يجب بيعها طازجة، ولا تحتمل أن تبقى لليوم التالي”.
يستمر حنا على هذه الحال حوالى ثلاثة أشهر إلى أن يصرّف كامل إنتاجه مباشرة إلى زبائنه، ويقضي وقتاً مماثلاً في الزراعة والتحضير، فيما النصف الثاني من العام يكون فصل العطلة والراحة له.
وعمّا إذا كان مدخول الموسم يكفيه والعائلة يوضح حنا: “الحمد لله مكيّفين حالنا مع الوضع. وما منعوز حدا، بس ما منقدر نلبّي إذا حدا طلب، يعني مستورة”.