ثائر غندور


الساعة الخامسة. صحت أمال باكراً. عليها أن “ترقّ العجين” بسرعة، اليوم تبدأ عودة النازحين، وهي تريد أن تحمل إليهم الأرغفة وتنتظرهم عند مدخل قريتها الجنوبية معركة.
منذ بداية العدوان الاسرائيلي على لبنان، تستعمل هذه المرأة الجنوبية “الطابون” الذي بنته قبل أربع سنوات، وكانت في أيام السلم تستخدمه حين تدعو صديقاتها إلى “صبحية مميزة” مع الخبز المرقوق.

تحضّر أمال العجين في نصف ساعة وتتركه “ليرتاح”. وتقول إنها بقيت في منزلها في بلدة معركة مع زوجها وابنتيها “لأنني لا أحتمل عذاب النزوح”. تُحضر العنب من حديقتها وتجلس لتكمل حديثها: “لن يكون الخبز ممتازاً لأنني اضطررت إلى خلط الطحين الأبيض بكمية كبيرة من طحين الذرة”، فالحصار الإسرائيلي على لبنان منع وصول المواد الغذائية إلى المدن والقرى. “لكن الخبز سيكون لذيذاً”، يطمئنها زوجها.
في الحرب، تغيّرت حياة أمال كثيراً. فقد كانت تكره القطط لأنها “فقدت طفلين بسبب جرثومة نقلتها قطة”. غير أنها عادت لتربيتها خلال العدوان لأنها تؤنس عائلتها في غياب الجيران. وأمال، التي تنتظر الجيران “ستستعيد كرهها للقطط”.
تجلس المرأة الصامدة أمام “الطابون” تروي لهفتها لرؤية جيرانها وأبناء قريتها مجدداً، ثم يبدأ حديث الذكريات. عندما كانت صغيرة كانت أمها تستخدم الطابون لتعدّ الخبز لعائلتها ولوالدَي زوجها، لم تكن تسمح لابنتها بأن تساعدها. كانت تردد أمامها “اتدلّلي يا حبيبتي. غداً عندما تكبرين ستقومين بأعمال كثيرة”. ثم تتحدث عن قريتها معركة، عن ناسها، تقول “إنهم يد واحدة في الأفراح والأتراح، لكن العدوان فرّقهم، لا أعرف شيئاً عن جيراني. بعضهم نزح إلى بيروت وآخرون الى الجبل، هكذا قال لي ابني، وأنا الآن في انتظارهم”، وتستدرك “لكننا لسنا وحدنا في القرية، الذين بقوا كثر، عشرات أو مئات لم يغادروا معركة، لم نترك هذه القرية يوماً على رغم كل الاعتداءات الاسرائيلية”.
تحمل أمال أول رغيف، تقول إنه طري جداً، وتضيف ساخرة: “الحق على طحين الذرة”. ثم تُخرج رغيفاً آخر، ليس منتفخاً تماماً، يقترب منها زوجها ليساعدها فتطلب منه التنحّي “دعني أكمل عملي لنأكل خبزاً لا مشاطيح”. تقترب مرة أخرى من الطابون، تضع المزيد من الأغصان اليابسة. تنظّف الفرن جيداً. بحركة يديها الرشيقتين، ترمي العجين على وسادة وتنقله إلى فرنها الخاص.
بعد أن تنتهي من إعداد الخبز، تنظر إلى السماء فلا ترى طائرات اسرائيلية في سماء قريتها.
تبتسم آمال وتقول لابنتها: “لنعدّ مناقيش الصعتر واللبنة والكشك”. تركض نحو حديقتها، تقطف النعناع والبندورة، تطلق ضحكتها وتردّد: “يقول البعض إنهم يسابقون الزمن، أما أنا فأسابق الطائرات”.
أمام الطابون، تنسى أمال مجدداً ما عانته خلال العدوان، وتنسى أصوات الصواريخ الإسرائيلية وهي تتساقط على قريتها وعلى قرى الجنوب يومياً، فهي كما تقول: “إذا تذكّرت القنابل والصواريخ فلن أعدّ أشهى الخبز وأطيب المناقيش”.