رلى راشد


منذ عقدين والعالم يتيم خورخي لويس بورخيس، مُطلق لعبة المرايا والأسفار المُغرقة في متاهة اللحاق بالذاكرة والزمن. وفيما تتنافس دور النشر على تحيّة صاحب الحكايات المسكونة فانتازيا، أعاقت أرملته ماريا كوديما إعادة طبع أعماله الكاملة الصادرة بالفرنسية بين عامي 1993 و 1999 في مجلدين في سلسلة “لا بلياد” التي تصدر عن دار “غاليمار”.
وبحسب أسبوعية “لونوفيل أوبسرفاتور” وقع الناشر رهينة أرملة اعتباطية تحكم قبضتها على إرث زوجها الأدبي. فتعثّر مشروع إعادة طبع المجموعة الفريدة التحليلية لأعمال صاحب «مكتبة بابل» ولا مثيل لها حتى في القشتالية. نشرت المجموعة بعد سبع سنوات على رحيل الكاتب الأرجنتيني الذي فاخر وهو على قيد الحياة بانضمامه الى مجموعة “لا بلياد” المرموقة التي منحته فرصة “التقرّب من أصدقائه مونتانيو وكافكا وثرفنتس”.
ولدت مجموعة أعمال بورخيس الكاملة عام 1986 في جنيف حيث أقام المؤلف الأرجنتيني، وهي ثمرة تواطؤ أدبي جميل جمعه وصديقه جان بيار بيرنيس الذي “عاقبه بورخيس بأن يكون ذاكرته”، على حدّ قوله. أفضت اللقاءات شبه اليومية بين الرجلين الى مرجع نقدي قام على تعديل نصوص بورخيس الأصلية ومراجعة ترجماتها وإضافة الملاحظات.
في سنوات بورخيس العشرين الأخيرة عملت الشابة ماريا كوداما معاونة له قبل أن يتزوجا، وقد أصدر الثنائي عام 1984 سيرة رحلاتهما الى أماكن مختلفة مع نصوص لبورخيس وصور لكوداما، علماً بأن الكاتب قد أخفى علاقته بكوداما عن أمه ليونور اثيفيدو سواريث صاحبة الحضور الطاغي في حياته التي اعتمد عليها كلياً حتى وفاتها وهي في التسعين وحتى قبل أن يفقد بصره تماماً. وها أن الأرملة تتصرف بعد رحيل بورخيس بأسلوب يذكر بأسلوب الوالدة المتسلطة، تبدو كأنها تغار من نجاح أصدقاء زوجها ولا سيما من نجاح جان بيار بيرنيس إذ طالبت ببساطة أن تتخلّص “لا بلياد” منه، مكبدةً غاليمار جراء رفضها إعادة نشر المجموعة خسارة مليون دولار. روى الكاتب الأرجنتيني ايكتور بيانكيوتي، وهو الذي لعب دور “صلة الوصل” بين الدار والورثة، أن وكيلة الأرملة اتّصلت بغاليمار قبل المباشرة في نشر المجلد الثاني من المجموعة ناقلةً رغبة كوداما في تغيير العنوان وتحدثت عن طبعة تشوبها الأخطاء من دون أن تتمكن من تحديد خطأ واحد. فمنذ رحيل بورخيس، لم تتوقّف حروب كوداما الصغيرة مع أصدقاء زوجها مدّعيةً أن منتقديها هم أولئك الذين احتقرهم بورخيس في حياته. ولم تنج الشرائط الـ122 التي تضمّنت حوارات بورخيس وبيرنيس من صراعات الأرملة، إذ يأبى بيرنيس إصدارها قبل حدوث “وفاتين، وفاته ووفاة أرملة صاحب الألف”. وسبق أن رفضت محكمة باريسية منح كوداما جزءاً من عائدات كتاب “حوارات مع بورخيس” للشاعر أوسفالدو فيراري مؤكدة أنه “بات ثمة حدود لعالم حقوق كوداما”. كل تحرّك تقوم به كوداما دفاعاً عما تعتبره ملكيتها ينتهي (كما يبدو) الى تعزيز إحساسها بأنها دخيلة وتحوّلها الى ألدّ أعداء انتشار أعمال “المعلم”. واللافت هو ذلك التباين بين حمائية كوداما ومقاربة بورخيس لأعماله وهو القائل في مقابلة مع “لير” الفرنسية “حتى النهاية، لا أحد يملك عملاً أدبياً. إن الوقت هو الذي يشكّل عملاً ما مثلما نُشكل الأنطولوجيا”.