كان | طوابير طويلة تجاوزت، أمس، محيط قصر المهرجانات في «كان»، لتتواصل على امتداد رصيف ميناء المدينة العتيق. لم تكن تلك الجموع المتراصة من جمهور محبي السينما والفضوليين الذين عادة ما يتزاحمون أمام واجهة قصر المهرجان، أملاً برؤية نجومهم المفضلين أو الظفر بدعوة ما تسمح لهم باقتحام «قلعة السينما» لمشاهدة أحد الأفلام التي تنافس على السعفة الذهبية. بل كان هؤلاء الواقفون في ذلك الطابور الأطول في تاريخ المهرجان، منذ عشرين سنة على الأقل، هم مئات الصحافيين المعتمدين لتغطية المهرجان، والراغبين في حضور عرض فيلم «باترسون» لعرّاب السينما المستقلة الأميركية، جيم جارموش (الصورة). ولم تتسع قاعة «ديبوسيه» (أكثر من ١٥٠٠ مكان) لاحتضان الجميع، بحيث تطلّب الأمر من بضع مئات من الإعلاميين الانتظار حتى العروض الاستدراكية لمشاهدة جديد صاحب «أغرب من الجنة» (الكاميرا الذهبية ــ كان ــ ١٩٨٣).

إذاً، عاد جيم جارموش ليلهب الكروازيت، بعد ثلاث سنوات من رائعته «وحدهم العشاق بقوا أحياء» التي خرجت بخفّي حنين من سباق الجوائز، لكنّها كرّست هذا السينمائي المقل (١٢ فيلماً روائياً طويلاً فقط على مدى ثلث قرن) نهائياً في مصاف كبار صناع «السينما المفكرة» عبر العالم. وهو هنا يواصل من حيث توقف في فيلمه الأخير تأمّلاته حول ماهية الفن وأسرار الإبداع. ولكن بخلاف شخوص «وحدهم العشاق بقوا أحياء» الخرافية الغريبة الأطوار (مصاصو دماء مولعون بالموسيقى!)، يقدّم في جديده «باترسون» شخصية مغرقة في الواقعية: سائق باص مولع بكتابة الشعر! لكن هذا المنحى الواقعي لم يبعد صاحب «قهوة وسجائر» (السعفة الذهبية للفيلم القصير ــ كان ــ ١٩٩٣) عن عوالمه الأثيرة المسكونة بالغربة والصمت والقتامة. من خلال يوميات تمتد على أسبوع كامل في حياة سائق الباص «باترسون» (النجم آدم درايفر) وشريكة حياته «لورا» (النجمة الإيرانية المنشقة غولشيفته فرحاني) وكلبهما المشاكس «مارفين»، ينحت جارموش بورتريهاً جماعياً متقناً لعائلة مهمّشة تقاتل لتحقيق مكان لها تحت الشمس، وتجد في الشعر والموسيقى وسيلة لمقاومة شظف العيش والتمسك بحبل الأمل. وإذا بالفيلم ينتهي بخاتمة مغرقة في القتامة، حين يقوم الكلب بتمزيق والتهام «الدفتر السري» الذي تعوّد باترسون على تدوين أشعاره عليه!
وكما في «وحدهم العشاق بقوا أحياء»، تشكل المدينة أحد الشخوص المركزية في الشريط. وعلى غرار الصورة الساحرة التي قدّمها جارموش في فيمله ذاك عن طنجة وأحيائها العتيقة، تشكل مدينة «باترسون» هنا الإطار الأمثل لتأمّلاته حول الشعر والحياة والإبداع الفني. ولم تكن مصادفة أن يحمل سائق الباص ــ الشاعر اسم المدينة ذاته «باترسون». هذه المدينة التي تقع في ولاية نيو جيرسي الأميركية هي مسقط رأس عدد من أبرز الشعراء الأميركيين، أمثال وليام كارلوس وليام، وألن غينسبرغ، وكانت مسرحاً لحركة شعرية قوية أواخر القرن التاسع عشر، فضلاً عن كونها ــ آنذاك ــ قلعة للحركات اليسارية الراديكالية ذات المنحى الفوضوي.
إلى ذلك، تميّزت عروض أمس بسقطة مدويّة للسينمائي «التقدّمي» الإسرائيلي عيران كولرين الذي اشتهر بفيلمه «زيارة الفرقة» (جائزة لجنة تحكيم تظاهرة «نظرة ما» ــ ٢٠٠٧) الذي أثار ضجة كبيرة بسبب محاولة «أكاديمية الفنون والعلوم الإسرائيلية» منع تصنيفه كفيلم إسرائيلي، لأنّه لم يكن ناطقاً بالعبرية، بل بالعربية والإنكليزية. وسعت الأكاديمية بالتالي إلى منع ترشيحه للأوسكار.
وإذا بكولرين يقدّم في جديده الذي عرض أمس ضمن تظاهرة «نظرة ما»، بعنوان «وراء الجبال والهضاب»، عملاً يتماهى مع الطروحات اليمينية المهيمنة في إسرئيل، من خلال خطاب ملتبس يصوّر الفلسطينيين بوصفهم مجرّد «عمال يسكنون وراء الهضاب المجاورة للمدن الإسرائيلية المتحضّرة». ويكفي أن يُطلق ضابط متقاعد، في لحظة ألم ويأس، رصاصات طائشة باتجاه الهضاب البعيدة، ليردي أحد الفلسطينيين «قتيلاً»، عن طريق الخطأ!