من عالم الرسوم المتحركة، دخل جوزف نانو (1935 ـــ 2016) إلى أفئدة المتلقين، كان يملك صوتاً متفرداً، قوي الإيحاء، هادئاً على رسوخ وثبات استثنائيين. عميق النظرة، بارد الملامح، كان الرجل شريراً حتى الرمق الأخير. لكنه ذلك الشر الجميل الذي يعكس متانة في الأداء لا تتوافر لسواه. من الإذاعة إلى المسرح فالدبلجة التلفزيونية ثم الدراما، كان نانو يحفر حضوراً متأصلاً في اذهان متابعيه. يكفي أن تشاهده مرة حتى تحذره إلى الأبد، يمثل كأنه لا يفعل، أوصاله ساكنة، نظرته عميقة، ملامحه صلبة، صوته موح، يتسرب إلى أعماقك كإشراقة شمس، ويستقر هناك كذكرى محببة. أن يحضر جوزف، فذلك يعني أن الدراما سترتقي صعوداً، وأن شأنها بعد حضوره سيختلف عنه قبل ذاك الحضور.

بدون جوزف نانو، ما كان لأعمال كثيرة أن تكتسب قيمتها الحقيقية، لم يكن لكثير من ابداعات الرسوم المتحركة أن تبقى في الذاكرة. بدونه كانت «السنافر» (أدى صوت «شرشبيل») ستبدو شاحبة، و«السندباد» سيغدو اقل قدرة على الإيحاء، وسيفقد «ساسوكي» الكثير من متعة المغامرة. كان الصوت المتزن على مرونة فائقة، شرطاً ضرورياً لاكتمال الصورة، حتى تسلل اليقين بانسيابية ساحرة إلى أذهان المتلقين: ثمة عنصر خفي لا غنى عنه حتى يكتسب الرسم المتحرك شرعيته: إنه الصوت الهادر الذي يمتلكه جوزف، ويتقن تنويع نبراته بما يخدم الفكرة. نادراً ما كان لصوت ما مثل هذا الحضور والفعالية. يتحدث عارفو الرجل عن غموض ما في شخصيته: الهدوء المبالغ فيه كان بالنسبة اليه أشبه بالقرار المسبق، هو يدرك أنه وجد في هذا العالم كي يمثل. أما الحياة بتعداد فصولها ومختلف تجلياتها، فمجرد وسيلة لتحقيق ذلك الهدف.


هو يكاد لا يجد ضرورة للكلام اذا لم يكن أمام كاميرا تسجله وتنقله إلى الآخرين كي يكتسب القول فائدته. لم يجد معنى لأن يكون مشهوراً يتقافز حوله المعجبون. وحتى عندما كان يطلب منه صحافي موعداً لإجراء حديث اعلامي، كان يستغرب الأمر: لماذا؟! الأمر أبعد من زهد بالنجومية، هو تعبير ذكي عن خبث محبب: يجدر بكم أن تنسوا أنني ممثل. أنا جوزف نانو فقط.

نادرون هم الممثلون الذين صدقوا أنفسهم واندمجوا في أدوارهم بقدر ما فعل جوزف. في النادر الذي تسرب عن حياته الخاصة، ثمة ما يشير إلى تقمصه الدور حتى حدود مبالغ فيها. كان يحتاج بعد انتهائه من عمل ما إلى وقت وجهد كي يستعيد طبيعته الأصلية. كان كثيرون ممن وضعتهم ملامحهم في خانة أدوار الشر يبذلون جهوداً مضنية لإظهار سلامة نواياهم كي لا يأخذهم الجمهور على محمل الجد، فيخسرون محبة العامة. لكن جوزف نانو بدا غير مبال حيال الأمر. الشاشة ملعبه الأحب ولا يعنيه كثيراً ما يجري خارجها.

أياً تكن الاسماء التي كانت تشارك نانو في أعماله الدرامية، فإن حيزه الشخصي على امتدادها كان مصاناً: هو البطل الشرير الذي لا يُجارى، هو الذي سيكمل المشهد مهما كانت تعقيداته، وهو الذي سيأخذ حصة وازنة من الانطباع الراسخ في أذهان المشاهدين. سيغادرون وهم مدهوشون بقسوته وصلادته وقدرته الفائقة على إرهاق الآخرين. يحدث هذا كله فيما الشخصيات الخيرة تستمد حضورها من كونها مكافئاً إيجابياً لجوزف نانو، أي أن خصومتها للرجل الشرير كانت تخدم تألقها. هكذا فعل إحسان صادق في مسلسل «ابن الحرامي وبنت الشاويش» (1971)، وعلى هذا بنى وحيد جلال حضوره في «الأبله» (1973)، وقبلهما محمود سعيد في «الجوال».

لم يقيض لنانو تحصيل علمي رفيع. إصابته بالتيفوئيد ـ كان المرض عضالاً يومها ـ جعلته يغادر المدرسة في سن العاشرة. أمكنه البقاء على قيد الحياة بما يشبه المعجزة، تعلم الطباعة على الآلة الكتابة وشرع يحرر الدعاوى للمتقاضين والمحامين، وكان لعمله أن أبقاه على تماس مع الكتابة، تعلم الإنكليزية وأتقنها، وكان لمرونة حنجرته أن فتحت أمامه درب الفن ولو من باب الهواية. احتاجت فرقة من الهواة لدور امرأة تقوم بدور زوجة الملك البريطاني ريتشارد قلب الاسد في مسرحية «صلاح الدين الأيوبي». ولما كان حضور المرأة الممثلة نادراً في تلك الفترة (خمسينيات القرن الماضي)، وقع الخيار على جوزف ليقوم بالدور. وجوده على المسرح، ولو هاوياً، قاده إلى الماكيير سمير فوزي (درويش) الذي منحه دوراً لرجل شرير في إحدى مسرحياته. شاهده الراحل فيليب عقيقي، فاستعان به لدور مواز في مسرحية أخرى، هكذا صارت أدوار الشر من اختصاصه.

قدرته على تقليد الاصوات دفعت نانو للمشاركة في مسابقة لإذاعة «بي. بي. سي» للتقليد. يومها، أدى صوت كلب، وفاز بالجائزة التي كانت عبارة عن 2 جنيه استرليني. أهمية الحدث أنه فتح عينيه على مكانة الإذاعة وإمكانية استخدام موهبته الصوتية. أنشد بعض الأغاني، لكن نداء التمثيل داخله كان أقوى، فأصغى اليه متغاضياً عن الغناء.

انتقل من المسرح إلى السينما فمثل في «غارو» و«كلنا فدائيون»، و«عرس الأرض»، و«القدر»، و«بيروت صفر 11»، و«عصابة النساء»، و«الأجنحة المتكسرة»، و«الانتربول في بيروت»، و«نساء في خطر»، و«حسناء وعمالقة»... وفي التلفزيون، لم يكن أقل حضوراً، فأنجز أعمالاً كثيرة منها: «معنى السعادة»، «الخاتم المسروق»، «من تراثنا»، «نساء عربيات»، «الحجاج بن يوسف الثقفي»، «الجوال»، «ابن الحرامي وبنت الشاويش»، و«الأبله»...

نشوب الحرب الأهلية دفعت نانو للهجرة مع زوجته وابنائه الأربعة إلى السويد، حيث استقر هناك منذ اعام 1978 ليسلم الروح في أحد مستشفياتها عن 81 عاماً أول من أمس السبت، تاركاً خلفه 2000 حلقة تلفزيونية، و50 فيلماً، و24 عملاً مسرحياً، والكثير من النتاجات التلفزيونية العربية المشتركة، وفوق كل ذلك سؤالاً كبيراً: من سيحمل كل هذا الأعباء التي ألقاها جوزف عن كاهله مرة أخرى؟